fadivoc
02-2009-17, 10:47 PM
الميلاد ما يسميه علم اللاهوت ( بالتجسد ) . فالمسيح ازلي الوجود ، يظهر في دائرة الطبيعة البشرية ، ومن هو فوق مستوى التاريخ يدخل في دائرة التاريخ . والميلاد يرتبط ببيت داؤد كما جاء بفم ابنائه القديسين ( لوقا 1 : 69- 70 ) . انه اتمام للقسم الذي اقسم به الرب لابراهيم ( لوقا 1 عدد 73 ) ، بل هو اتمام للنبوة التي اعطيت منذ بدء العالم ( لوقا 1 عدد 70 ) . فالنقط الرئيسية الفاصلة في تاريخ العهد القديم: في الخلق ، وابراهيم ، وداؤد ، تجتمع كلها هنا . وهذا الترابط التاريخي برهان على وحدة العمل الالهي خلال العصور؛ والقصد الالهي منذ البداية الذي يشير الى المسيا . واذا نظرنا الى سلسلة نسب الرب يسوع في انجيل متى ؛ نرى ان الانجيلي قدم داؤد على ابراهيم ( فصل الاول عدد 1 .... ابن داود ابن ابراهيم ) ، لان ابراهيم كان ابا لآمم كثيرة غير الامة التي يولد منها المسيح ( تك 17: 5-6 ) ، اما داؤد فكان محصورا في دائرة امة اسرائيل الموعودة بمجى المسيح منها . وهذا ما ياكده زكريا ابو يوحنا المعمذان لما سبح الله قال: ( واقام لنا قرن خلاص في بيت داؤد ) ( لوقا 1 : 69 ) انظر ( مت 15 : 22 )( مر 10 : 47 ) . كذلك لما بشر الملاك جبرائيل مريم العذراء بحبلها بالمسيح ، قال لها عنه ( هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الاله كرسي داؤد ابيه) ( لوقا 1 : 32 ) . واذا راجعنا سلسلة نسب الرب يسوع في متى ؛ حيث يقول ان زربابل ولد ابيهود ؛ ولوقا يقول في سلسلته ان زربابل ولد ريسا ، وليس في هذا تناقض . لان زربابل ولد ولدين احدهما ابيهود المذكور في سلسلة متي ومنه تسلسل يوسف رجل مريم . وثانيهما ريسا المذكور في لوقا ومنه تسلست مريم التي ولد منها المسيح . وقد ورد مثل هذا في السلسلتين ؛ فمتى يقول وداؤد الملك ولد سليمان الذي تسلسل منه يوسف رجل مريم . ولوقا يقول وداؤد الملك ولد ناثان الذي تسلسلت منه مريم التي ولد منها المسيح وكلاهما ابن داؤد . سار الانجيلي متى من اول السلسلة الى اخرها على وتيرة واحدة يقول: ان فلانا ولد فلان، حتى اذا ما بلغ يوسف رجل مريم لم يقل كالمتبع ان يوسف ولد المسيح ، بل قال: يوسف رجل مريم التي ولد منها المسيح ، وذلك لان المسيح كان ابن مريم فقط ولم يولد من يوسف بل ولد من الروح القدس ، ولم يكن يوسف الا أبا شرعيا للمسيح بالتبني فقط . وقد تزوج يوسف بمريم العذراء لكونها من سبطه حسب التشريع الذي وصفه الله: بان كل بنت ورثت نصيب من اسباط بني اسرائيل تكون امراة لواحد من عشيرة سبط ابيها ( عدد 36 : 2-9 ) لسببين: اولا... لخوف الاهل من انتقال الميراث من سبط الى اخر . ولما كانت مريم الوارثة الوحيدة لآبيها وهي من سبط يهوذا ، فقط تزوج بها يوسف الذي من سبطها ووضع في جدول الانساب الوارد في لوقا، ابنا شرعيا لهالي والد مريم كما جرت العادة عند اليهود بان لاتوضع البنات في جداول الانساب بل يوضع زوجها مكانها كأبن شرعي لآبيها الذي ليس له ولد . وثانيا.... هو سبب خفي وجوهري قصد الله به بيان السبط والبيت الذي يولد منه المسيح حسب المواعيد والنبوات ، وقد ظهر هذا القصد حين جاء المجوس وسألوا اين المولود ملك اليهود؟ فما كان من هيرودس الا ان جمع رؤساء الكهنة والكتبة وسالهم اين يولد المسيح؟ فقالوا له بناء على ما عندهم من النبوات وجداول الانساب انه يولد في بيت لحم يهوذا . ولقد اقتضت حكمة الله ومقاصده الالهيه ان ياتي المجوس الى اورشليم مركز الديانة اليهودية حيث الهيكل ومجمع السنهدرين لينتزعوا من فم رجال الدين ومن فم الملك صاحب السلطان الزمني قرارين هامين . اولا..ان رجال الدين اليهود يعرفون من اين ياتي المسيح كما اخبروا هيرودس ، واستشهدوا بنبوة ميخا النبي . وثانيا... اعتراف رؤساء اليهود امام هيرودس بان كل النبوات الواردة في كتب الانبياء قيلت عن المسيح وحول المسيح ، وشهدت له بانه هو المدبر والراعي وان مخارجه منذ القديم منذ ايام الازل كما قال ميخا النبي ( مي 5 .. 1-3 ) . عرف رؤساء اليهود مكان ولادة المسيح واخبروا هيرودس بما ورد من النبوات عنه ، ولكن كان علمهم نظريا لا عمليا ، كان علما عديم الحياة ، يدلون الاخرين على الطريق الى المسيح اما هم فلا يسعون وراءه . ان معرفة الكتب وحفظ الاصحاحات والاسفار في العقل دون ان تمس القلب او تقود الى المسيح تكون للدينونة والهلاك ، بينما تكون للرجل الساذج حيث تمس قلبه قبل عقله سراجا لرجليه تقوده الى المسيح ، والساذج حسب الانجيل ليس جاهلا انه عالم عارف بقلبه ، كما يقول الانجيل ( طوبى للانقياء القلوب لآنهم يعاينون الله ) ، كما عاينت مريم العذراء عندماقالت للملاك ( ها انا امة الرب فليكن لي حسب قولك .. لو1 : 6-38 ) . فبذلك اصبحت مريم العذراء هيكل الله ، تابوت العهد الجديد ، ومقام سكنى الله وهي ابنة صهيون ، اورشليم جديدة ، وهي تحمل في بطنها من يحمل السموات والارض والممسك الكواكب بيمينه . ونتيجة حضور الله على مريم العذراء هي تجسد لكلمة الله في احشائها، ولذلك ومن اجل ذلك فالمولود منها سيدعى قدوسا وابن الله . وهذا يقودنا الى ان نفكر في لياقة هذا الاسلوب من الولادة ، لمجى ابن الله في صورة البشر . لقد كان يجب ان تتنحى ابوة يوسف لتخلي الطريق لأبوة الله وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: ( هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ( مت1 : 21-23 ) . وبعد الميلاد قد زال كل مجال للشك ، صارت القديسة منسوبة للسيد المسيح لا ليوسف وهذا ما اكده ملاك الرب عندما ظهر ليوسف في الحلم ، قائلا: ( قم وخذ الصبي وامه واهرب الى مصر.... مت 2 : 13-14 ) . يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم ، ان الملاك لم يقل عن القديسة مريم امراتك بل قال (امه) ، لقد اراد الملاك تاكيد ان السيد المسيح هو المركزالذي ننسب اليه . ويرى القديس اغسطينيوس بان النفس التي ترتبط بالسيد المسيح خلال الايمان الحي العامل بالمحبة تحمله فيها روحيا ، وكان قد صارت له كالقديسه مريم التي حملته روحيا كما حملته بالجسد .