الاب يوسف جزراوي
05-2010-29, 06:30 PM
كلنا مهاجرون
من كتاب خلجات الذات الجريحة للأب يوسف جزراوي-قيد النشر
حدثوني أولاده وطلبوا مني بالحاح لكي أقنعه على الهجرة والرحيل معهم من العراق إلى أمريكا، لأن الحياة المُستقرة الأمنة أنعدمت في بلدهم الأم، وهم سكان البلد الأصليين! لكن شخينا الجليل رفض أن يترك أرض أجداده بحجة هذه أرضنا، أرض الايمان.
نعم أنه على صواب، وبدأت أوضح له قائلاً: يا عم، نحن كمسيحين ليس لنا أرض محددة، ثابتة، أرضنا حيث تكون رسالتنا. الرب يسوع لم يكن له موضع يسند عليه رأسه، كان مواطن بلا وطن، أوصانا قائلاً: أذهبوا وبشروا وتلمذوا جميع الامم.. اذًا أرضنا حيث تكون بشارتنا وعيشنا الإنجيل، المسيحي الحقيقي هو في رحيل دائم. والأوطان من صنع الإنسان، الرب لما خلق آدم وحواء، لم يسمي لهما وطنًا. صدقوني أن الوطن تسمية مختلقة، والحدود ليست ألا حواجز مصطنعة لم يكن لها وجود في البدء، فالانسان لو ولد في روما لكان انتمائه لايطاليا، ولو كان قد ولد الصين لكان أنتمائه للصين، لذا أقول وطنك ليس حيث تولد وحسب، بل حيث تنمو وتستقر وتحقق ذاتك وتعيش رسالتك وحياتك بكرامة وأطمئنان وحرية مسؤولة، فليس للإنسان وطن ثابت غير السماء. حينها أقتنع وشد الرحال وهاجر إلى أمريكا، وحسنًا ما فعل. واليوم هو أحد الشماسة في (سان ديغو) يعيش رسالته في أمريكا من خلال خدمة المذبح ومساعدة المهاجرين الجدد.. بعد أن كان قد تعذر عليه عيش مسيحيته في وطنه الأم.
عندما دخلت السمنير، ساعيًا في طلب الكهنوت، شعرتُ وكأنني مهاجر لعالم ثاني، عالم سلخني من كياني وكل ما أنا متعلق به، ولعل أولى تلك الأشياء هم عائلتي. وهكذا كان شعوري عندما اقتبلت نعمة الكهنوت وخدمتُ في الكنيسة ثم أنتقلت للخدمة في كنيسة أخرى، إذ ظللت اشعر أنني افتقد تلك الجماعة التي خدمتها وشكلت معهم عائلة الرعية. وهكذا هو أيضًا حال الفتاة عندما تتزوج، فهي تترك بيت أهلها لتشد الرحال الى بيت زوجها، لتبدأ حياة مختلفة بالعاداة والتقاليد والاشخاص. والموظف يعاني ايضًا ذات الشعور عندما ينتقل من وظيفة إلى أخرى، والإنسان عندما يهجر ذاته، يشعر أنه غريب عن هذا العالم وعن نفسه، وهكذا هو حال الولد عندما يترك بيت أبيه ليكمل حياته مع زوجته في بيت مستقل، وهكذا كلنا في الحياة مهاجرون بشكل أو بأخر، فكلِّ مرحلة من مراحل حياتنا تحمل في طياتها هجرة.
الغربة لا تعني الهجرة من بلدك والتغرب، فبوسعك أن تكون في وطنك وبين أهلك، عالتك، زوجتك وأولادك، وظيفتك... وتشعر بالغربة.
كلنا مهاجرون بشكل وبآخر....و لكن لا أقسى من غربة الافراد.
الأب يوسف جزراوي
ahzan_bin.yousif@yahoo.com
من كتاب خلجات الذات الجريحة للأب يوسف جزراوي-قيد النشر
حدثوني أولاده وطلبوا مني بالحاح لكي أقنعه على الهجرة والرحيل معهم من العراق إلى أمريكا، لأن الحياة المُستقرة الأمنة أنعدمت في بلدهم الأم، وهم سكان البلد الأصليين! لكن شخينا الجليل رفض أن يترك أرض أجداده بحجة هذه أرضنا، أرض الايمان.
نعم أنه على صواب، وبدأت أوضح له قائلاً: يا عم، نحن كمسيحين ليس لنا أرض محددة، ثابتة، أرضنا حيث تكون رسالتنا. الرب يسوع لم يكن له موضع يسند عليه رأسه، كان مواطن بلا وطن، أوصانا قائلاً: أذهبوا وبشروا وتلمذوا جميع الامم.. اذًا أرضنا حيث تكون بشارتنا وعيشنا الإنجيل، المسيحي الحقيقي هو في رحيل دائم. والأوطان من صنع الإنسان، الرب لما خلق آدم وحواء، لم يسمي لهما وطنًا. صدقوني أن الوطن تسمية مختلقة، والحدود ليست ألا حواجز مصطنعة لم يكن لها وجود في البدء، فالانسان لو ولد في روما لكان انتمائه لايطاليا، ولو كان قد ولد الصين لكان أنتمائه للصين، لذا أقول وطنك ليس حيث تولد وحسب، بل حيث تنمو وتستقر وتحقق ذاتك وتعيش رسالتك وحياتك بكرامة وأطمئنان وحرية مسؤولة، فليس للإنسان وطن ثابت غير السماء. حينها أقتنع وشد الرحال وهاجر إلى أمريكا، وحسنًا ما فعل. واليوم هو أحد الشماسة في (سان ديغو) يعيش رسالته في أمريكا من خلال خدمة المذبح ومساعدة المهاجرين الجدد.. بعد أن كان قد تعذر عليه عيش مسيحيته في وطنه الأم.
عندما دخلت السمنير، ساعيًا في طلب الكهنوت، شعرتُ وكأنني مهاجر لعالم ثاني، عالم سلخني من كياني وكل ما أنا متعلق به، ولعل أولى تلك الأشياء هم عائلتي. وهكذا كان شعوري عندما اقتبلت نعمة الكهنوت وخدمتُ في الكنيسة ثم أنتقلت للخدمة في كنيسة أخرى، إذ ظللت اشعر أنني افتقد تلك الجماعة التي خدمتها وشكلت معهم عائلة الرعية. وهكذا هو أيضًا حال الفتاة عندما تتزوج، فهي تترك بيت أهلها لتشد الرحال الى بيت زوجها، لتبدأ حياة مختلفة بالعاداة والتقاليد والاشخاص. والموظف يعاني ايضًا ذات الشعور عندما ينتقل من وظيفة إلى أخرى، والإنسان عندما يهجر ذاته، يشعر أنه غريب عن هذا العالم وعن نفسه، وهكذا هو حال الولد عندما يترك بيت أبيه ليكمل حياته مع زوجته في بيت مستقل، وهكذا كلنا في الحياة مهاجرون بشكل أو بأخر، فكلِّ مرحلة من مراحل حياتنا تحمل في طياتها هجرة.
الغربة لا تعني الهجرة من بلدك والتغرب، فبوسعك أن تكون في وطنك وبين أهلك، عالتك، زوجتك وأولادك، وظيفتك... وتشعر بالغربة.
كلنا مهاجرون بشكل وبآخر....و لكن لا أقسى من غربة الافراد.
الأب يوسف جزراوي
ahzan_bin.yousif@yahoo.com