المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم (الحقيقة والسر والقلب) في المسيحية


Fadi
04-2009-08, 07:01 PM
أ. مفهوم الحقيقة

أنطلق من مقولة لفون بالتازار: "إن المفهوم الكامل للحقيقة الذي يقدمه الإنجيل يتألف من التجسيد الحي للنظرية في العمل، وللمعرفة في التطبيق"، تجسيد الحقيقة هو الحب المعاش، هو اللاهوت الذي يشع في قداسة العيش. "بحسب مفهوم الوحي الإلهي، ليس هنالك حقيقة أصيلة، إلا ويجب أن تتجسد في فعل، في طريقة تصرف، لدرجة أن تجسد المسيح يضحي مقياس كل حقيقة فعلية".

عندما يتحدث بالتازار عن "اللاهوتي المتكامل" – كما سبق ورأينا– يتحدث عن هذا الأمر بالضبط. فكما في الحب، يقارب المرء حقيقة المحبوب من خلال محبته، ويتعمق في محبته من خلال معرفة حقيقته. يساعدنا في إيضاح الفكرة الفيلسوف اللبناني رني حبشي (René Habachi) الذي يقوم بالتمييز بين "الحقيقة-الإسمنتية" و "الحقيقة-الدعوة".

"الحقيقة الإسمنتية" هي حقيقة الـ 2 + 2 = 4. إنها حقيقة تشبه النور الساطع الذي يبهر العيون بوضوحه فلا يستطيع المرء أن ينكرها. إنها حقيقة إسمنتية، "مصبوبة صبًا"، لا يمكنني أن أرفضها ولكن في الوقت عينه لا يمكنني أن أدخل في علاقة شخصية معها؛ إنها حقيقة لا يجتاحها الصدأ، هي كاملة وثابته، ولكنها مقفلة لا يمكن الدخول في علاقة وجدانية معها. ما من أحد يضحي بحياته لأجل حقيقة حسابية من هذا النوع.

أما "الحقيقة الدعوة" فهي حقيقة شخصانية، إنها حقيقة تهبني الحياة، وتجعلني مستعدًا أن أهب حياتي بدوري. يمكننا أن نقدم مثالاً عن هذه الحقيقة أمرًا قد يجعلنا نظن أن المسيحيون لا يجيدون علم الحساب 1 + 1 + 1 = 1! أشير بتبسيط حسابي إلى ما يقوله المسيحيون في الثالوث الأقدس: ثلاثة أقانيم (آب وابن وروح قدس)، طبيعة إلهية واحدة. هذه الحقيقة لا تفرض نفسها بشكل حسابي حتمي وجبري، ومع ذلك، فإن هذه الحقيقة كانت وما تزال واقع حبٍ يفهمه مِن بَعيد من يفتح قلبه للحب الذي يوحد ويحفظ التمايز، وهذا الفهم يحمل البعض على الهيام حبًا وصولاً إلى قبول الاستشهاد لأجل الإيمان بإله الحب.

لكي ندرك المفهوم المسيحي للحب، أود أن أستعين بإيجاز بأبحاث أحد كبار دارسي مفهوم الحقيقة في إنجيل يوحنا، الأب اليسوعي إينياس دو لا بوتري (Ignace de la Poterie) الذي يوضح بأن كلمة حقيقة في العهد القديم "إِمِت" ترتبك بجذر "أَمَن" الذي يعني "آمن، ثابت، وثيق"؛ وبالتالي فإن "إمت" تعني الصلابة الجوهرية والمتانة، أي ما يجعل أمرًا موثوقًا وقابلاً للإيمان والتصديق.

أما كلمة "أليثيا" (alhjeia) فتعني بالأساس عدم التخفي، الكشف. وبالتالي إنطلاقًا من المفهوم الأثيمولوجي اليوناني، الحقيقة هي أمر يجب اكتشافه، أمر يجب أن يبحث المرء عنه وأن يقوم بالارتقاء نحوه.

أما إنجيل يوحنا فهو لا يقدم شيئًا يمكن أن يوحي بأن الحقيقة أمر يجب أن يبحث المرء عنه. ولا يتحدث أيضًا عن "ارتقاء" نحو الحقيقة. مفهوم الحقيقة اليوحنوي يقلب المقاييس: ليس الإنسان هو من يبحث عن حقيقة الله، بل حقيقة الله تأتي إلى الإنسان. الحقيقة هي نعمة وهبة: هي وحي يقدمه الله في يسوع المسيح (راجع يو 1، 17). ليست المسيرة نحو الحقيقة تصاعدية، بل هناك قلب للمقاييس، والحقيقة تنزل، تنحدر، تفرغ ذاتها، وتأتي نحو الإنسان. ويسوع يكشف للبشر الحقيقة التي تلقاها من الآب (راجع يو 8، 40).

والحقيقة ليست كشفًا عن أسرار عامة، ليست عبارة عن حفنة من العقائد البالية؛ هي وحي وكشف شخص يسوع، المسيح، ابن الآب الوحيد. وإنجيل يوحنا يزخر بالتعابير التي توضح هذا الأمر: "أنا الطريق والحق والحياة" (يو 14، 6).

نرى في يوحنا أيضًا ربطًا بين الإقامة مع يسوع، ومعرفة الحقيقة. وربطًا بين عيش كلمة يسوع ومعرفة الحقيقة: "إذا حفظتم كلمتي، عرفتم الحق" (يو 8، 31). معرفة الحقيقة في المسيحية ليست أولاً ثمر مزاولة المكتبات والكتب، بل نتيجة الأمانة لكلمة يسوع.

تقول الرسالة الأولى المنسوبة إلى يوحنا: "من يقول ‘إني أعرفه‘ ولا يحفظ كلمته، كان كاذبًا ولم تكن الحقيقة فيه". هذا ما يكشف لنا الترابط الجوهري بين حفظ الكلمة (عيش القداسة) وفهم حقيقة الله.

تقول الرسالة أيضًا: "من أحب عرف الله، لأن الله محبة" (1 يو 4، 8). حقيقة الله (أنا هو الحق) لا تنفصل البتة عن جوهر الله "الله محبة" (1 يو 4، 16). وبالتالي فالولوج في معرفة الله يعني الدخول في دينامية المحبة. بالواقع، إذا ما فكرنا في أثيمولوجية كلمة "فلسفة" (filosofia)، والتي "محبة الحكمة"، لوجدنا أنها قبل أن تكون "صوفيا" (حكمة)، هي "فيلو"، هي محبة، محبة الحكمة.

أما ديكارت فقد وصف الإنسان بـ " Res cogitans " "كائن مفكر". وأدى هذا التعريف بعده إلى عزل واقع الحب من جوهر الفلسفة. بات الحب أمرًا يتعلق بـ "مقالة الأهواء"، ولا يتعلق بواقع الفكر. ولكن "في البدء" لم يكن كذلك، فالحب، "الإيروس"، الزخم المتيم نحو الحقيقة، كان جزءًا جوهريًا في الفلسفة، في حب الحكمة.

إن الموقف المسيحي الصحيح أمام حقيقة الله ليس في المقام الأول، رغبة عقلية للقبض على الحقيقة، بل هو قفزة النفس نحو التطلع (contemplatio) إلى الله، إنه موقف جهوزية لتقبل الحقيقة، لـ "معرفة الحق" (يو 8، 32؛ 2 يو 1) لـ "الإقامة" في الحق بالإيمان. الله هو القائم بالخطوة الأولى، هو "الذي أحبنا أولاً" (1 يو 4، 19). أما المسيحي فيتوق لكي "يكون في الحق" يو 18، 37؛ 1 يو 3، 19) الذي يأتي وينصب خيمته بين البشر (راجع يو 1، 14).

خلاصة القول، عندما نقول أن المسيحية تعلن عن الحقيقة، لا نقصد أن المسيحية أتت لتعلم الطبيب مهنته، وعالم الفلك حركة الكواكب، والفيزيائي سرعة الضوء. حقيقة المسيحية واحدة: هي السر الكامن منذ الأزل، سر الحب الذي يربط الآب بالابن بقبلة الروح القدس. وهذا السر الذي أراد أن يشرك البشر بطوباوية المحبة هو حقيقة المسيحية. حقيقة المسيحية هي العلاقة الحقة القائمة في الثالوث والتي تريد أن تدخل البشرية في تيار إشعاعها الطوباوي.

من هنا أهمية إيضاح معنى مفهوم "السر"، لكي لا يفهم به البعض "الغموض" أو "الإيزوتيرية".

ب. مفهوم السر

غالبًا ما يراود ذهننا، عندما نسمع كلمة سر، مفهوم الغموض الذي لا يمكن إيضاحه، أو اللغز الذي لا يمكن فهمه، أو الأحجية التي لا يمكن حلها. يبدو "السر" مرادفًا لـ "لن تفهم أبدًا، لذا لا تفكر".

إلا أن هذا لا يطابق مفهوم السر بحسب الإيمان المسيحي. السر المسيحي يختلف بالكلية عن اللغز. عندما يتحدث القديس بولس عن "السر" في رسائله، يستعين بكلمة " mysterion". وإذا ما نظرنا مليًا إلى المعنى الذي يستعمل فيه هذه الكلمة لوجدنا أنه لا يشير إلى واقع غامض، بل إلى المشروع الخلاصي الذي كان مستترًا في الله منذ خلق العالم، وقد ظهر في الأزمنة الأخيرة في يسوع المسيح. ولذا فالسر، في وجهة النظر المسيحية، هو رفيق الحقيقة.

فحقيقة المسيحية هي أن الله أحب العالم حتى إنه بذل ابنه الوحيد لكي لا يموت كل من يؤمن به بل تكون له الحياة (راجع يو 3، 16)، وهذا بالضبط هو السر (Mysterion).

يتوقف دستور المجمع الفاتيكاني الثاني "نور الأمم" على هذا السر فيتحدث في العدد الثاني عن "تدبير الآب الأزلي الخفي" الذي شاء أن "يرفع الناس إلى مستوى الشّركة في حياته الإلهية، ولمّا زلّوا في آدم لم يهملهم، بل ظلّ على الدوام حادباً عليهم بأيده الخلاصيّ، من أجل المسيح الفادي "الذي هو صورة الله الغير المنظور، والمولود قبل كل خليقة" (كول 1، 15). ثم إن جميع المختارين الذين سبق الآب فعرفهم منذ قبل الدهور، قد "ميزّهم وحدّد أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه فيكون بكراً لأخوة كثيرين" (روم 8، 29)، وإنّ جميع الذين يؤمنون بالمسيح قرّر أن يدعوهم في الكنيسة المقدّسة، التي، بعد إذ بشر بها بالرموز منذ بدء العالم وهيّئت بوجه عجيب بتاريخ شعب اسرائيل والعهد القديم، أُنشِئَت في الأزمنة الأخيرة، وأُعْلِنَت بحلول الروح القدس، وستتم في المجد في اليوم الآخر، وإذ ذاك، كما ورد في الآباء القدّيسين، يجتمع عند الآب، في الكنيسة الجامعة، جميع الصدّيقين منذ آدم، "من هابيل البارّ إلى آخر مختار" (نور الأمم، 2).

ويتابع النص فيتحدث عن دور الابن في السر الخلاصي: "أتى الابن، وقد أرسله الآب الذي اصطفانا فيه من قبل إنشاء العالم،وقضى بأن نكون ابناءً بالتبنّي، لأنه شاء أن يجمع فيه كلّ شيء (أف 1، 5- 10 و 14). وعملاً بمشيئة الآب أنشأ المسيح على الأرض ملكوت الله، وكشف لنا عن سرّه، وحقّق بطاعته فداءنا. وبدأت الكنيسة، أيّ ملكوت المسيح الحاضر حضوراً سريّاً، تنمو بقدرة الله في العالم، نمواً ظاهراً" (المرجع نفسه، 3).

ثم يتحدث عن عمل ورسالة الروح القدس فيقول: "ولمّا أنجز العمل الذي كلّف الآب ابنه تحقيقه على الأرض (يو 17، 4)، أرسل الروح القدس، في يوم العنصرة، لكي يقدّس الكنيسة في استمرار، فيكفل للمؤمنين الدّخول إلى الآب بالمسيح في وحدة الروح (أف 2، 8).فإنه هو روح الحياة، والنبع المتدفّق ماءً للحياة الأبدّية (يو 4: 14،7: 38-39). وبه يعطي الآب الحياة للذين أماتتهما الخطيئة، إلى يوم يبعث في المسيح أجسادهم المائتة (روم 8، 1 - 1).والروح يسكن في الكنيسة وفي قلوب المؤمنين كما في هيكل (1كور 3، 16، 6، 19)، وفيهم يدعو،ولهم يشهد بأنهم أبناء الله بالتبنّي (غلا 4، 6، رو 8، 15 -16 و26). وهذه الكنيسة التي يرشدها إلى الحقيقة كلّها (يو 16، 13) ويكفل لها وحدة الشركة والخدمة الرّوحية، يجهزّها ويقودها بمختلف المواهب، مواهب السّلطة ومواهب المنّة، ويزيّنها بثماره (أف 4، 11- 12،1كور 12، 4،غلا 5، 22)، ثمّ إنه بقوّة الإنجيل يحفظ للكنيسة شبابها، ويجدّدوا في استمرار، سائراً بها إلى تمام الاتحاد بعريسها: ذلك بأنّ الروح والعروس يقولان للرّب يسوع: "هلّم" (رؤ 22، 17). وهكذا تظهر الكنيسة الجامعة "شعباً يستمدّ وحدته من وحدة الآب والابن والروح القدس" (المرجع نفسه، 4).

كل هذا، هو السر الكائن في قلب الله الآب وقد كشف في الزمن في المسيح وفي تدبير الروح القدس اللذين هما "يدا الآب"، بحسب قول القديس إيرناوس المعبر.

يوضح بولس في رسالته إلى أهل أفسس أن سر مشيئة الله هو "ذلك التدبير الذي ارتضى أن يعده في نفسه منذ القدم ليسير بالأزمنة إلى تمامها فيجمع تحت رأس واحد هو المسيح كل شيء ما في السموات وما في الأرض" (1، 9 – 10). وبالتالي فالسر هو حقيقة خلاصية، هو إرادة فداء.

ويشرح القديس أغسطينوس أن السر ليس ما لا يمكن فهمه، بل ما لا يمكن الانتهاء من فهمه. لتوضيح قول أغسطينوس نستعين بالحب البشري الذي هو الواقع الأقل بعدًا عن حقيقة الله، والذي يؤهلنا أن نفهم شيئًا عن الله بالرغم من الاختلاف الشاسع القائم بين حقيقة الخالق وحقيقة المخلوق. إذا ما سألنا شخصًا متيمًا ما هو سبب عشقه لأجاب بأنه يحب محبوبه لهذا السبب أو لذلك، ولكن، إذا ما نظر مليًا إلى سبب حبه، لما تمكن أن يحدد بالضبط الدافع العميق وراءه، هناك بعد سري في الآخر يفهمه مع نموه في الحب ولكنه لا يستطيع أن يصرح إطلاقًا أنه سبر غور ذلك الآخر، أو أنه فهمه "وحفظه غيبًا". الشخص المتيم حقًا هو شخص يغرم لأجل سبب يفوق كل الأسباب التي يستطيع تعدادها.

الحب يعرف ولكنه معرفته لا تستهلك سر الآخر بل تبقى منفتحة على تجدد سره. لا بل الحب الحق يؤمن أن في الآخر عمق يفوق قدرة المحب على إدراكه بالكلية. ولهذا السبب، لا يتوانى القديس أغسطينوس عن التصريح في شرحه لإنجيل يوحنا: "أعطوني شخصًا يحب وسيفهم ما أقوله".

لكي نفهم السر لا بد أن نكون متيمين، مغرمين. فمن يعاني من انغلاق داخلي على الحب لن يستطيع أن ينفتح بسلاسة وسهولة على ما هو غير ملموس على السر الذي يتطلب مجازفة – لا بمبلغ من المال، أو ببعض الممتلكات – بل بالوجود بأسره وبالحياة برمتها. وحده الإنسان الذي يستطيع أن ينفتح على وثبة الحب، على الإيروس الإلهي، الذي جعل الله يأتي من سماواته لكي يجتذب إليه كل بشر، وحده هذا الإنسان يستطيع أن يقبل مجازفة الانفتاح على "السر".

يقدم الكاردينال هنري دو لوباك صورة معبرة جدًا نستطيع بفضلها أن نفهم بشكل أفضل ما معنى السر، سر الله، في المسيحية. يقول الكاردينال اليسوعي: "إن الإنسان الذي يجهد للتعرف على الله لا يشبه الحكيم الذي يكدس المعارف... ولا يشبه الفنان الذي يكمل تأليف مقطوعة موسيقية. بل إن الروح الذي يسعى إلى معرفة الله يشبه البحار الذي يتقدم في المحيط تحمله الأمواج، شرط أن يترك خلفه بشكل متواصل الأمواج. نتقدم في سر الله محمولين على أيدي الصور والمفاهيم والأفكار، ولكن إذا ما أردنا أن تحملنا هذه الأمواج، لا بد أن نتخلى عنها دومًا، وأن نقول في كل لحظة: هذا ليس الله، الله هو ما وراء هذه".

ما يقوله دو لوباك هو سهل جدًا، وهو يردد إلى حد ما صدى العبارة الأغسطينية الشهيرة: "إذا فهمته، فهو ليس الله" (si comprehendis, non est Deus). فإذا ما أراد الإنسان أن يعرف الله، لا بد له أن يذهب إلى لقائه ما وراء المفاهيم والأفكار، وذلك لأن الله، بطبيعة الحال، هو أكبر من الفلسفات والأفكار والتعابير البشرية. المفهوم هو مثل الموجة، تساعدني على التقدم إلى الأمام، أما إذا توقفت لديها، غرقت في غياهب الأوثان.

سبق وقلنا أن يسوع هو "الحق"، ولكنه في الوقت عينه "الطريق"، لأن معرفة حقيقة الله تتطلب مسيرة تدوم مدى الحياة الأرضية والأبدية. بهذا المعنى تقول الليتورجية المارونية في إحدى صلوات الصباح في زمن الصوم الكبير بأن حياتنا الأرضية هي مسيرة نحو الله وحياتنا الأبدية هي مسيرة فيه. لقاء المسيح الحق يعني "السير في طريق نوره" لأن سر حبه هو سر متجدد يفهمه الإنسان بقدر ما يبقى منفتحًا على فهم جدته وعمقه الذي يفوق الوصف.

وحده المحب يستطيع أن يعي سر الله لأنه يلج فيه بالحب، لهذا يصلي بولس قائلاً: "أجثو على ركبتي للآب [...] وأسأله أن يهب لكم، على مقدار سعة مجده، أن تشتدوا بروحه، ليقوى فيكم الإنسان الباطن، وأن يقيم المسيح في قلوبكم بالإيمان، حتى إذا ما تأصلتم في المحبة وأسستم عليها، أمكنكم أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا محبة المسيح التي تفوق كل معرفة، فتمتلئوا بكل ما في الله من كمال" (راجع أف 3).

* * *

ج. مفهوم "القلب" في المسيحية

إذا ما نظرنا مليًا إلى التقوى الشعبية لوجدنا أهمية كبرى مولاة لـ "قلب" يسوع و لـ "قلب مريم البريء من الدنس". كما ويكفي أن ننظر إلى بعض الأمثلة من الكتاب المقدس لنعي أهمية ومحورية مفهوم القلب فيه. "الوصية الأولى" في العهد القديم، بحسب ما لخص يسوع ملاقيًا قبول الكاتب هي: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك..."، ويسوع يتحدث عن القلب كمحور نوايا الإنسان: "من القلب تصدر الأفكار الشريرة"، "حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك"...

ولذا من المهم أن نكرس وقفة تأملية بمعنى القلب الكتابي واللاهوتي. في تعليقه على سر فاطيما الثالث قام عميد مجلس عقيدة الإيمان حينها الكاردينال يوسف راتسنغر (Joseph Ratzinger) (البابا بندكتس السادس عشر الآن) بتقديم وصف موجز لمفهوم القلب: "القلب يعني في لغة الكتاب المقدس محور الوجود البشري، واندماج العقل والإرادة، والمزاج والإحساس". "القلب هو ذلك الواقع الذي يجد فيه الكائن البشري وحدته وتوجهه الداخلي".

القلب بحسب النظرة المسيحية هو محور الكيان البشري، ومركز وحدة القدرات، وإذا جاز التعبير، هو كرسي الأنا. القلب إذًا بحسب هذا المعنى الوجداني والروحي لا يوجد في أي من أعضاء الإنسان، هو ليس ذلك العضو النابض في الصدر بين الرئتين، بل هو ذلك الواقع الذي يشكل محور كامل الوجود الشخصي. إنه محور الوحدة حيث تتلاقى كل خيوط دائرة كيان الإنسان.

لقد وعى الفن البيزنطي لهذا الواقع، وأدخل هذا المفهوم الأنتروبولوجي العظيم في فن الأيقونة. فالأيقونة التي تمثل قديسًا ما، أو الرب نفسه، عادة تصور الوجه انطلاقًا من أربع دوائر متمحورة. الأولى هي دائرة خفية تتواجد محور وجه الشخص بين حاجبيه، وتشكل كرسي اللوغوس (أو النوس)، أي الفكر والكيان الروحي، هي الموضع الأكثر حميمية في الإنسان، موضع صورة الله فيه، المحور الروحي. ومن ثم دائرة تتضمن العينين والجبهة، للإشارة إلى الدماغ وقدرة الفهم والتحليل، هي المحور الفكري والنفسي. الدائرة الثالثة تتوسع لتشمل الشعر والفم واللحية، هي دائرة البعد الجسدي الهش للوجود البشري. أما الدائرة الرابعة وهي دائرة الهالة الذهبية، فهي تعبر عن دعوة الإنسان إلى الإنطلاق من صورة الله إلى مثاله، وتحقيق كنه صورة الله الروحية في الإنسان بهذا الشكل.

وعليه، بحسب هذا المفهوم القلب هو محور الوجود الإنساني الأعمق، هو الدائرة اللامرئية حيث تقوم صورة الله في الإنسان، وهي أعمق من الوجود النفسي واعمق من الوجود الروحي. والإنسان القديس هو الذي يقيم ترابطًا حيًا بين الدائرة الخفية في قلب كيانه وبين الهالة الروحية، دعوة العيش من قداسة الله.

وبالتالي فالقلب هو تلك القدرة البشرية التي تذهب أبعد وأعمق من القدرة الفكرية في الإنسان، وأبعد من تصور خيالنا. هو بعد ما يسميه توما الأكويني في الخلاصة اللاهوتية "غريزة إلهية". وبعد توما الأكويني تميزت المدرسة الصوفية الرينانية، تحت تأثير ممثلها البارز "مايستر إيكارت"، بتعابير مثل "عمق النفس"، التي هي مرادف لمفهوم القلب.

القلب بالنسبة لأغسطينوس هو موضع الله الذي يقيم في أعمق أعماقي (intimior intimo meo). وإنطلاقًا من هذا التعبير نفهم أن معرفة الله تتطلب نوعًا من التحول والارتداد في الفكر. طالما أنا مرتكز على فكري كعضو التحليل والفهم الأوحد، أبقى بعيدًا عن الإدراك الحقيقي، عن الحدس العميق، وعن المعنى الجوهري والأثيمولوجي للـ "intellectus: intus / legere" أي القراءة الداخلية والجوهرية. ما دام الإنسان منغلقًا في إطار الفكر المنطقي الضيق، لن يتمكن من الدخول في المعرفة الشخصانية التي تتفوق على المعرفة الحسابية والفيزيائية.

هذا النوع من المعرفة هو ضرورة ليس فقط في الإطار اللاهوتي، بل في إطار الواقع الشخصاني: أنى للعقل وحده أن يعي معنى الحب، أو البغض، أو الصداقة، أو الندامة، أو المشاعر، أو الإرادة؟؟ مهما حاول العقل فهو لن يتمكن أن يحصر ويفصل فهم وشرح هذه الوقائع التي تتخطى بعده ومؤهلاته الطبيعية.

لذا أود أن أقترح تعبيرًا يوضح كنه معرفة القلب: المعرفة ما وراء المنطقية "meta-logical recognition". هذا النوع من المعرفة لا يتجاهل المنطقي، هو ليس مرادفًا لـ "اللا منطقي"، بل هو مرادف لـ "أكثر من منطقي" و "ما يتجاوز المنطقي".

لكي أوضح الفكرة، أود أن أستعين بشرح معنى المعمودية والأسرار الذي يقدمه اللاهوتي الأرثوذكسي الراحل أوليفيه كليمان (Olivier Clément): "يجب أن نصلب كل منطقية. فنعمة الميلاد قد تملكت غور القلب، عمق الكيان. عمق الكيان هذا هو أمر يسبق تمايز الملكات (التمايز بين الفكر والإرادة)، هو موضع سكنى الله. نعمة المعمودية هي تحول جذري لعمق النفس يعمل يهدف إلى طرد القوى التي تستر من الله. يطارد العماد هذه القوى التي تتحاشى الله فتلتجئ إلى سطح النفس، في كل الأبعاد الخارجية من ذواتنا، وهي تسعى إلى إبقاء حضور الله في اللاوعي الذي هو عمق الكائن".

كليمان يدعو إلى "صَلْب" المنطقية، إلى تجاوزها. لأن المنطق هو فصل الفكر عن الإرادة وعن الإحساس، وكل فصل في الإنسان يفقده القدرة على إدراك أبعاد ما يحدسه. كما ويقدم كليمان وجهة لاهوتية ملفتة: الفصل في إدراك الحواس هو من نتائج الخطيئة، وهبة المعمودية تعيد للإنسان القدرة على الثقة بالحواس الروحية الباطنية، بالقلب، الذي يدرك ويحدس بشكل متجانس ومتكامل.

* * *

يوسف
04-2009-08, 07:40 PM
موضوع جميل

عاشت الايادي

Deacon Isaac
04-2009-08, 07:43 PM
شكرا شماس فادي على المحاضرة تحياتي لك

shape of my heart
04-2009-09, 12:07 AM
موضوع حلو

aLLuN!e
04-2009-09, 02:25 AM
عاشت ايدك فادي موضوع رائع


((( تحيــــــــــاتــــــــــــي )))

wisdom
04-2009-12, 04:26 PM
مشكور على الموضوع الجميل استاذ فادي وباركك الرب

سمانثا
04-2009-12, 04:32 PM
موضوع جميل جدا
عاشت ايدك اخ فادي
دائما تنورنا بمواضيعك المتألقة...