وصـايا الله العشر
الوصيّة الأولى
وصـايا الله العشر
مقدّمة
نقرأ في الإنجيل هذا الحوار بين يسوع والشابّ: وإذا برجل يدنو فيقول لـه: "يا معلّم، ماذا أعمل من صالح لأنال الحياة الأبدية" فقال له: "لماذا تسألني عن الصالح؟ إنّما الصالح واحد. فإذا أردتَ أن تدخل الحيـاة، فاحفظ الوصايا". قال له: "أيّ وصـايا ؟" فقال يسوع: "لا تقتلْ، لا تزنِ، لا تسرقْ، لا تشـهدْ بالزور، أكرمْ أبـاك وأمّـك". ثمّ لخّص يسـوع هذه الوصـايا إيجابيـاً: "وأحببْ قريبَكَ حبّكَ لنفسك".لقد سلّم الله إلى موسى الوصايا العشر وأمره أن يعلّمها الشعب ليحفظها ويعيشها، فهي إرادة الله وعلى الإنسان أن يحقّق إرادة خالقه. (راجع سفر الخروج في الفصل 20 وتثنية الاشتراع في الفصل 5).إنّ "الوصايا العشر" أو "الكلمات العشر" تلخّص عهد الله مع الإنسان وتعلنه. نقرأ في العهد القديم: "هذه الكلمات كلّم الربّ بها جماعتكم كلّها في الجبل من وسط النار والغمام والدجى بصوت عظيم ولم يزد وكتبها على لوحي الحجر ودفعهما إليّ" (تثنية الاشتراع 5/22). ولذلك، فإنّ هذين اللوحين دُعيا شهادة "واجعل في التابوت الشهـادة التي أعطيتها" (خروج 25/16) وهما العهـد الذي أبرم بين الله وشعبه.وإنّ تقليد الكنيسة، حرصاً على الكتاب المقدّس وتجاوباً مع مثال يسوع، قد أقرّ بأهمّية الوصايا العشر وصدارتها في قوانين الله.في بعض الكنائس القديمة، تُدوَّن الكلمات العشر على لوحتين توضعان غالباً بالقرب من المنبر. اللوحة الأولى تتضمّن الوصايا التي تختصّ بعلاقة الإنسان بالله (1-3)، واللوحة الثانية، الوصايا التي تختصّ بعلاقة الإنسان بالجماعة البشريّة (4-10). وبذلك يعود الفنّانون إلى رواية الكتاب المقدّس التي تذكر أنّ الله قد أعطى موسى الوصايا العشر على لوحين (خر 15/32، تث 5/22).في يسوع المسيح ظهر، على نحوٍ نهائيٍّ، أنّ الله يُحبّنا، وأنّه يمنحنا الحياة ومستقبلاً ما. إنّه يدعونا إلى أن نسير في المحبّة التي يُعلن يسوع أنّها الوصيّة الأولى والعظمى. محبّة الله والقريب:أحبب الربّ إلهكَ بكلّ قلبكَ، وكلّ نفسكَ، وكلّ ذهنكَ، وكلّ قوّتكَ. والوصيّة الثانية هي هذه: أحببْ قريبَكَ كنفسكَ. ليس مِن وصيّة أخرى أعظم من هاتين" (مر 12/30-31).إنّ وصيّة محبّة الله والقريب لا تلغي كلمات العهد القديم العشر، بل تكمّلها.في نظر القدّيس بولس، محبّة القريب هي ملخّص الوصايا: "مَن أحبّ القريب قد أتمّ الناموس. فإنّ هذه الوصايا: لا تزْنِ، لا تقتلْ، لا تسرقْ، لا تشهدْ بالزور، لا تشتَهِ.. وكلّ وصيّة أخرى، تُلخَّص في هذه الكلمة: "أحببْ قريبَكَ كنفسكَ" (رو 13/8-9).في الوصايا العشر وفي وصيّة محبّة الله والقريب، أعلنت الكنيسة عبر القرون "قانون إيمانها الأخلاقي". معها وفيها، لا نفهم الوصايا كأنّها حدود وُضعت أمام حرّيتنا، إنّما هي توجيهات معطاة من قِبل الله في سبيل حياة نقضيها في محبّة الله والبشر. وهذا يصحّ اليوم كما في الأمس":هذه الوصيّة التي أنا آمركَ بها اليوم ليست فوق طاقتكَ ولا بعيدة منكَ. لا هي في السماء فتقول: مَن يصعدُ لنا إلى السماء فيتناولها لنا ويُسمعنا إيّاها فنعمل بها؟ ولا هي عَبرَ البحر فتقول: من يعبرُ لنا البحرَ فيتناولها لنا ويُسمعنا إيّاها فنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدّاً، فهي في فمكَ وفي قلبكَ لتعملَ بها" (تث 30/11-14).
الوصيّة الأولى : أنا هو الربّ إلهكَ لا يكنْ لكَ إله غيري
يبيّن الكتاب المقدّس أنّ الله وحده هو مخلِّص الناس ومنقذهم. الآلهة هي "لا شيء". ولا يمكن انتظار أيّ شيء ممّن هم لا شيء. لذلك، تدعو الوصيّة الأولى إلى الالتزام ضدّ الآلهة المزعومين، والاعتراف بمَن هو وحده إله السماء والأرض، وذلك من أجل الإنسان نفسه. التقيّد بهذا الإله والأمانة له يستطيعان وحدهما أن يحفظا الإنسان في الطريق الصالح. منه نأتي، ومصيرُنا الرجوع إليه، هو مصدر حياتنا ومعناها وهدفها. مَن ينفصل عن الله تفقد حياته اتّجاهها نحو ما يعطيها معناها. محبّـة الله تدعو إلى التعلّق به بثقـة.
أوّلاً: موقف الإنسان من الله
إنّ ملاقاة الناس تشكّل تحدّياً خطيراً للإيمان. في المجتمع، وفي العمل، وغالباً في أسرتنا الخاصّة، نصادف أشخاصاً لا مبالين بالنسبة إلى وجود الله أو عدم وجوده. بعضهم يرفضون بصراحة فكرة الله، وغيرهم يعتقدون أنّ الإنسان لا يستطيع أن يقولَ أيّ شيء عن الله، وآخرون يشرحون أن لا تجانسَ ممكناً بين العلوم والله. "البعض يُشيدون بالإنسان إلى حدّ أنّهم يكادون يُهزِلون الإيمان بالله، وهمّهم الأكبر، على ما يظهر، إثباتُ الإنسان أكثر من إنكار الله. والبعض الآخر يتمثّلون الله تمثّلاً تصبح معه صورة الله التي ينكرونها غريبة كلّ الغرابة عن صورة إله الإنجيل. وهنالك مَن يُعرضون عن معالجة قضايا الله، لكونهم، على ما يبدو، بعيدين عن أيّ معاناة للقلق الديني، ولا يرون داعياً يدعوهم بعد إلى الاهتمام الديني". (المجمع الفاتيكاني الثاني). كثيرون يُحيلون أيضاً إلى الشرّ في العالم، ويعدّون وجوده منافياً لفكرة الله، وكثيرون غيرهم يعلنون أنّ إمكانيّات تغيير وجه العالم التي تأتينا من العلم ومن التقنية تجعل الله لا فائدة منه. فالمهمّ إنّما هو الإنسان وحده.إزاء فكر يرى في الإنسان نفسه العامل الأوحد لتاريخه، وينتظر من الإنسان وحده تحرير الإنسان، يبيّن الكتاب المقدّس أنّ التحرير والخلاص إنّما يعطينا إيّاهما الله. من الحماقة أن نريد أن نكون "مثل الله" (تك 3/4)، وأن نضع أنفسنا مكان الله. من الله ننال عظَمتنا، ومع ذلك فالله يجعلنا نختبر أيضاً حدودنا. القبول بحدودنا هو لنا عون وخير. إذ يقودنا إلى أن نعترف بالله في ألوهته، وإلى أن نكون مسؤولين أمامه عن الحرّية التي أنعم بها علينا، وألاّ نسيء استعمالها بالوقوف ضدّه.
ثانياً: أشكال أساسيّة من عبادة الأصنام
في حديثنا نتطرّق إلى ثلاثة أنواع من التحدّيات التي تبعدنا عن الله وتجعلنا نعبد أصناماً جديدة عوضاً عنه.
آ- عبادة صنم الامتلاك
يسيطر على الإنسان عامّةً همّ الحفاظ على حياته وهمّ ضمان مستقبله. لذلك، فإنّ اكتساب الخيرات المادية وامتلاكها يساعدان على إعطاء شكل للمساحة الحياتية الشخصيّة، ويوفّران الشعور بالوجود في مأمن من المرض، والحوادث، وفقدان القدرة على العمل، وعزلة السنّ.جزء كبير من هذا الهمّ الناظر بتبصّر إلى المستقبل لا يدور موضوعه على الحياة الشخصيّة وحسب، بل أيضاً على الأسرة، وعلى مستقبل الأولاد وعلى الخير العامّ للشعب وللشعوب. مثل هذا التبصّر لا يوفّر الشعور بأمان مادّي وحسب، بل يمنح أيضاً استقلالاً أكبر وحرّية أوفر يتيحان تعاطي أشغال أخرى، كالأسفار وتعزيز الفنّ والثقافة، ومزاولة هوايات شخصيّة، والالتزام في خدمة أناس آخرين. كثيراً ما نجد، في ما وراء هذه النشاطات، قيَماً إنسانية بارزة كالحكمـة ومعنى المسؤوليّة، والعمل ومعنى الاقتصاد، والاستعداد للالتزام، والاهتمام بخيرات الخليقة.كلّ هذا صالح وحسن، ما دام يتأصّل في الاستعداد الذي يقوم على أن يكون للإنسان أشياء وكأنّه لا شيء له، وأن يمتلك وكأنّه لا يملك شيئاً (1كو 7/29-31). إن غاب هذا الاستعداد، ضاق النظر على ما هو ضروريّ للوجود، حينئذٍ قد يدفع الامتلاك والغنى إلى رغبة الازدياد في الامتلاك، وإلى وضع المُلك فوق الكِيان. "الجوع المشؤوم" للمال قد يقود إلى أن يجعل الإنسان من الغنى صنماً يسود كلّ شيء، المال الربّ.يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "على الجميع أن يُعنَوا بتنظيم نوازعهم تنظيماً مستقيماً لئلاّ ينحرف بهم استخدام أشياء العالم والتمسّك بالغنى تمسّكاً يُخالف روح الفقر الإنجيلي، عن مواصلة السعي إلى كمال المحبّة" (ك 42). يلفت هذا النصّ الانتباه إلى المخاطر المرتبطة في حياتنا بالهمّ والتبصّر. "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالمَ كلّه وخسر نفسه؟" (مر 8/36). كثيرون يسمعون كلمةَ ملكوت الله المزروعة فيهم، "ولكنّ همّ الحياة الدنيا وغرورَ الغنى يخنُقان الكلمة، فتظلّ بلا ثمر" (متّى 13/22). ويحذّر يسوع من الغنى الذي يقود الإنسان إلى أن يجعل من المال صنماً: "لا تكنـزوا لكم كنوزاً على الأرض، حيث السوسُ والعُثّ يُتلفان، وحيث اللصوصُ ينقبون ويسرقون. بل اكنـزوا لكم كنوزاً في السماء" (متّى 6/19-20). "فإنّه حيث يكون كنـزُك، هناك يكون قلبُك أيضاً" (متّى 6/21). "لا يستطيع أحد أن يكون عبداً لسيّدين.[…] إنّكم لا تستطيعون أن تكونوا عبيداً لله وللمال" (متّى 6/24). مَن كان همّه الأوحد ازدياد خيراته المادّية خسر الحياة الحقيقية (لو 12/16-21). لا يحقّ لأحد أن يتعامى إزاء حاجات الناس الذين يقفون أمام بيته (لو 16/19-31)، وحاجات جميع الذين، وهم كثيرون في العالم، يعيشون دون الحدّ الأدنى الحياتي. المتملّكون والأغنياء الذين لا يريدون أن يروا الضيق في العالم لن يمكنهم الدفاع عن أنفسهم يوم سيدين ابن البشر الناس (متّى 25/31-46)..اتّباع يسـوع قد يعني، في بعض الحالات، أن يتخلّى الإنسـان عن كلّ ما يملك (مر 1/16-20، لو 14/33). ونرى إلى أيّ حدّ يمكن أن يكون هذا الأمر صعباً، لدى قراءة رواية الشابّ الذي يعرض عليه يسوع: "اذهبْ، بِعْ كلّ شيء لكَ، وأعطِهِ للفقراء فيكونَ لكَ كنـز في السماء، ثمّ تعالَ اتبعني. فانقبض لهذا الكلام، ومضى حزيناً، لأنّه كان ذا أموال كثيرة" (مر 10/21-22)..مَن تملّكه يسوع المسيح، لا تستطيع الثروة ولا الممتلكات أن تصير أصنام حياته. ولا يعود في حاجة إلى أن يبني على امتلاك خيرات أرضية. وكذلك يزول عنه القلق الناتج من اهتمامه بحياته اليومية، إذ يعلم أنّ الله نفسه هو ضمان حياته الأخير (متّى 6/25-33). كلام يسوع ومثله يدعوان إلى مواجهة أحداث الحياة بسكينة واطمئنان. في تحديد موقفنا من الثروة والخيرات، يجب أن يقودنا الاقتناع التالي: أمام الله كلّنا فقراء، وخيرات العالم فانية، فعلينا أن نستعملها بروح فقر، بحيث لا يتحوّل اهتمامنا الطبيعي بالتملّك إلى جشع وبخل وقساوة قلب بإزاء الفقراء والمعوزين. وهكذا، فالوصيّة الأولى هي سؤال ناقد يسألنا عن طريقة استعمالنا لخيرات الأرض.
ب- عبادة صنم السُلطة
يتوق الإنسان إلى أن يُعتبَر ويُعترَف به شخصيّاً. يريد أن يُعترَف به في الجماعة البشريّة، ويُعتَبَر تبعاً لما يقدر أن يصنع ولما يحقّق، ويريد أن يكون له نفوذ ويمارس سُلطة. متى وُضع هذا التوق، كما ينبغي، في خدمة الشخص البشري والجماعة البشريّة، نحن أمام قيمة إيجابية.بيد أنّ الرغبة في الاعتبار والاحترام والسُلطة تصير تهديداً متى تشوّه السعي إلى الاعتبار والسُلطة. فالعطش إلى الاعتبار يجعل من الواحد إنساناً وصوليّاً، فلا يفكّر بعد إلاّ في ما يبغي الوصول إليه، ويزيل دون تردّد كلّ ما يقف عائقاً في طريقه، وهو مستعدّ حتّى للتخلّي عن إيمانه ودينه إن كان في ذلك سبيل لبلوغ هدفه. والكبرياء والغطرسة تحملان الآخر على تنصيب نفسه فوق جميع الناس، وهو يستفيد من منصبه ويصير طاغية. والثالث، وقد امتلأ ثقة بنفسه بوجه خاطئ، لا يعود يثق بشيء، ولا حتّى بالله، ويعتقد أنّه لا يمكن الاتّكال على أحد، ولسان حاله يقول: أعِنْ نفسَكَ بنفسكَ، حينئذٍ يعينكَ الله.هذه الأشكال من عبادة صنم السُلطة واعتبار الذات تعكس مواقف تناهض مناهضة عميقة إرشادات يسوع لتلاميذه: "تعلمون أنّ الذين يُعدّون رؤساء الأمم يسودونهم، وأنّ عظماءَ هم يتسلّطون عليهم. وأمّا فيكم، فليس الأمر هكذا. بل مَن أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكنْ لكم خادماً، ومَن أراد أن يكون الأوّل فليكنْ للجميع عبداً" (مر 10/42-44). وموقف الأمَة المستعدّة الذي اتّخذته مريم قادها إلى القول: "هاءنذا أمَة الربّ. فليكنْ لي كما قلت" (لو 1/38).مّا الطريق الأسمى في الطاعة والخدمة فهو الذي سلكه يسوع نفسه: "هو القائم في صورة الله، لم يعتدّ مساواته حالة مختلسة، بل لاشى ذاته، آخذاً صورة عبد، صائراً شبيهاً بالبشر، فوُجد كإنسان في الهيئة. ووضع نفسه، وصار طائعاً حتّى الموت، موت الصليب" (فل 2/6-8). كثيرون، اقتفاء بيسوع، يبذلون ذواتهم بذلاً كاملاً في سبيل الله. فالله وحده يجب أن يكون ربّ الحياة. وهذا يفسح أيضاً في المجال أمام الناس لطريقة جديدة للعيش معاً.
ج- عبادة صنم المتعة واللذّة
الإنسان يتوق إلى المتعة واللذّة. هذا السعي مرتبط بدواعٍ كثيرة. فنتكلّم مثلاً على لذّة الحواس (النظر، والشمّ، والذوق، والسماع، واللمس)، وعلى المتعة الروحية. هناك أيضاً ميل حتّى في جعل متعة اللذّة مبدأ العمل والسـلوك الخلقي. بموجب هذا المفهوم، يجد الإنسان سعادته في إشباع حاجـاته الغريزية، في التمتّع باللذّة.
كثيرون يرون في إتمام الجنس وفي المتعة الجنسية هدفاً هامّاً في حياتهم. وفي الواقع إنّ رغبة الاكتمال الجنسي هي جزء من ديناميّة الحياة البشريّة. ولها، بصفة كونها قوّة محرّكة معطاة من قِبل الله، أهمّية كبرى بالنسبة إلى الحياة البشريّة. وهي، باتّحادها بقوى الإنسان الروحيّة، على نحوٍ ما محرّك العمل. فيجب على الإنسان من جهة ألاّ يخنقها، كما يجب عليه من جهة أخرى ألاّ يترك لها العنان: إنّها موكلة إلى مسؤوليّته. فإن اندرجت في الحياة اندراجَ واقع إنسـانيّ حقيقي، يمكن أن توفّر للإنسان سعادة عميقة، ولكن يمكن أيضاً أن تتحوّل إلى قدرة تعذّبه وتسيطر عليه إلى حدّ أنّها تُفقده حرّيته، فيصير فريسة غرائزه الجنسية ويجعل من الجنس صنم حياته.لقد حكمت الكنيسة، عبر كلّ العصور، في تعليمها الأخلاقي، على عبادة صنم الجنس. كلّ شكل من أشكال إجلال الله من خلال نشاط جنسي هو غريب عنها. وهي تعتقد أنّ تأدية العبادة للجنس كإلى صنم يجعل الإنسان في داخله عبداً للغريزة، التي يمكن أن تتسلّط على الناس بحيث لا يعود الجنس يحظى لديهم بالتقدير العاقل. عبوديّة كهذه لا تدمّر الحبّ بين الناس وحسب، بل تقوّض أيضاً المحبّة الواجبة لله.
ثالثاً: العبادة المسيحية: "المشورات الإنجيلية"
يعدّ التقليد المسيحي عبادة صنم الشهوة من بين الرذائل التي يستسلم لها الإنسان بسهولة في سعيه نحو الامتلاك والسلطة والمتعة: "شهوة الجسد، وشهوة العين، وصلف الغنى" (1يو 2/16). في مقابل هذا الخطر، يجب أن يتصرّف الإنسان بحيث يتّخذ موقفه من السُلطة والامتلاك واللذّة مكانه المناسب في مجمل حياته. وفي هذا الموضوع، يكتسي التقشّف والتجرّد أهمّية كبرى بالنسبة إلى النمط الذي يتّخذه الإنسان نهجاً لحياته. ذلك أنّ كلّ إنسان مسؤول عن اختيار الأسلوب الصحيح لتحقيق رغائبه الأساسيّة. إحدى الطرائق الخاصّة للتصرّف بالنسبة إلى الخيرات والجنس والسُلطة هي الاختيار الحرّ للفقر والعفّة والطاعة كنمط حياة انتشر في الكنيسة بتعبير "المشورات الإنجيلية".يعود تعبير" المشورات الإنجيلية" إلى القرن الثاني عشر، بيد أنّ هذا النمط في الحياة معروف في الكنيسة منذ بدايتها كطريقة مثالية لاتّباع المسيح، اقتداء بتلاميذ يسوع مع معلّمهم. في عصر آباء الكنيسة وفي لاهوت العصر الوسيط، اتّخذ مقطع الشابّ الغني مثالاً لتمييز طريقين في الحياة المسيحية: طريق الوصايا وطريق المشورات. وعُدَّت هذه الطريق الأخرى طريق الكمال.أكّد المجمع الفاتيكاني الثاني وجود دعوة مشتركة بين جميع المسيحيين إلى القداسة وإلى الشركة مع يسوع المسيح. فجميع المسيحيين مدعوون إلى المحبّة الكاملة التي يمكن الوصول إليها بطريقين. المشورات الإنجيلية تشكّل نهجاً خاصّاً في الحياة المسيحية، ومبرّر وجودها أنّها علامات. وهي الطريق الفضلى للمدعوين إليها بمعنى أنّها لهم نهج الحياة الصحيح.
رابعاً: صورة الله في يسوع المسيح
لن نتوصّل أبداً إلى معرفة أعماق الله، الذي هو الإله العظيم إلى ما لا نهاية، إنّه يبقى السرّ الذي لا تقوى على التقاطه لا الكلمات، ولا الصور ولا التصوّرات.الكتاب المقدّس يكلّمنا على الله بطرائق كثيرة. وهو يروي مسيرة الله مع الإنسان ويتكلّم على الله بوساطة صور ملوّنة بألوان عجيبة يكمّل بعضها بعضاً. التقاط الله بصورة جامدة هو، في نظر شعب الله في العهد القديم، انتهاك للأقداس. لا يمكن إدراك الله في صور هي صنع أيدي البشر. ومع ذلك يتكلّم الكتاب المقدّس، بأقوال وتصوّرات، على إله التاريخ الذي رافق الشعب على طريق تحريره، وحرمانه، وأخطائه وارتداداته. هذا الإله هو الإله الحيّ الذي يخاطب الإنسان فيقول له: "أنتَ". ليس الإنسان هو الذي يتصوّر الله، بل الله هو الذي يعرّف عن نفسه بكلامه ووحيه وعمله. ولأنّ الله يخاطب الإنسان على هذا النحو، ويأتي إلى مبادرته ويمنحه بالتالي إمكانيّة مواجهة شخصيّة معه، يمكن الإنسان ويجوز له أن يخاطب الله الكلّي القدرة ويقول له: "أنتَ".الإله الذي يكشف عن نفسه يلتقينا كشخص. فكيف لا يتحدّث عنه الإنسان كما يفعل في حوار مع أشخاص؟ لذلك يتكلّم الكتاب المقدّس على الله بصور كثيرة التنوّع، هي بمنـزلة أمثال ودلائل: فالله هو الحبيب الغيور، الذي يسعى في إثر الإنسان، ويغضب، ويحزن، ويثأر، ويدمّر، ويعيد البناء.. الله هو أب، ويرأف كما ترأف الأمّ (أش 49/15)، هو ملك وراعٍ، هو حكمة وكلمة، وهو يضيء بوجهه علينا، وقد "نقشنا على راحة كفّيه" (أش 49/16). كلّ الكلمات والتصاوير التي نستعملها للكلام على الله ممكنة، لأنّنا على صورته. بصفة كوننا أشخاصاً، نستطيع أن نتكلّم على الله الشخصي من خلال كلمات بشريّة، ونستطيع في الوقت عينه أن نتكلّم على صورة الله في الإنسان.صورة الله استنارت أكمل استنارة في ابنه يسوع المسيح الصائر إنساناً. فهو "صورة الله غير المنظور" (كو 1/15). ويستطيع أن يقول عن نفسه: "مَن رآني فقد رأى الآب" (يو 14/9). ليس الإنسان هو الذي يصنع صورة عن الله، بل الله نفسـه يأتي إلى أمام الإنسان في صورة ابنه. يسوع المسيح لا يبلّغنا صـورة أبيه وحسـب، بل هو طريقُنا إليه: "لا يستطيع أحـد أن يذهب إلى الآب إلاّ بي" (يو 14/6). في يسوع المسيح أُعطي لنا أن نرى مَن يريد الله أن يكون بالنسبة إلينا. عندما نصير إخوة يسوع وأخواته وأصدقاءه، نصير أبناء الآب. وهذا لا يزيل بأيّ شكل من الأشكال المسافة التي ينطوي عليها تحريم الصور. الله يمنحنا أن نشارك في سرّه، ولكنّه يبقى سرّاً.إنّ وفرة الكلمات والصور التي تعبّر عن اشتراكنا في سرّ الله في يسوع المسيح تسمح بأن يتعلّق كلّ واحد منّا بالصور والتصوّرات الأقرب إليه. فالمقصود هو البلوغ إلى علاقة شخصيّة مع الله. الله يحبّ كلّ واحد في فرادة شخصه وخصوصيّته. وعلينا نحن أن نحبّ كما يحبّنا الله: "مَن ثبت في المحبّة ثبت في الله، وثبت الله فيه" (1يو 4/16).
الخـاتمة
إنّ الحياة في الشركة مع الله تبدأ بالمعموديّة، إذّاك نلج العهد الأبدي مع الله، الآب والابن والروح القدس. المعموديّة تعطى باسم الثالوث القدّوس. يسوع، الابن، يُدخلنا في علاقته، علاقة المحبّة، بالآب، ويملأنا من روحه القدّوس الذي فيه نستطيع أن نقول: "أبّا، أيّها الآب الكلّي الصلاح". مَن يعتمد يعلن مواعيد معموديّته، وبها يرتبط بالله الذي، في يسوع المسيح، يدعوه إلى الخلاص ويهبه نعمته: "النعمة مشاركة في حياة الله، تدخلنا في صميم الحياة الثالوثية: فبالمعموديّة يشترك المسيحي في نعمة المسيح رأس جسده. وبصفة كونه "ابناً بالتبنّي" يستطيع أن يدعو الله "أبـاً" بالاتّحاد مع الابن الوحيد. وهو يتقبّل حياة الروح الذي ينفخ فيه المحبّة والذي يكوّن الكنيسة" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية).
هذا ما تقتضيه الوصيّة الأولى، في مستهلّ سلسلة الوصايا: التزام نحو الله، إله المحبّة الذي، في يسوع المسيح، دعانا إليه دعوة نهائية. ويجب، باستمرار، تجديد هذا الالتزام.
المراجع
المرجع الأساسي: "المسيحية في أخلاقيّاتها" (التعليم المسيحي الكاثوليكي للبالغين). سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، رقم 19 – منشورات المكتبة البولسية – لبنان، ط1 1999.
وصـايا الله العشر
" لا تحلِفْ باسم الله باطلاً "
يجب على الإنسان أن يحترم اسم الله ويجلّه لأنّه لاسم الله تجثو كلّ ركبة في السماء وعلى الأرض، وينحني له كلّ رأس من الملائكة والبشر، ويمدحه كلّ إنسان في السماء وعلى الأرض.
لذلك قال الربّ: "لا تحلِفْ باسم الله باطلاً". فمن يحلف باسم الله باطلاً يحتقر الله ويستخفّ باسمه القدّوس، "فليكن كلامكم نعم نعم، ولا لا، وما زاد على ذلك كان من الشرير" (متى 5/34-37)."لا تحلِفْ أبداً لا بالسماء ولا بالأرض".
اسم الله قدّوس
بين جميع كلمات الوحي ثمّة كلمة فريدة هي اسم الله وقد أودع الله اسمه من آمنوا به. إنّ إعطاء الاسم يعني الثقة والمودّة لأنّ "اسم الله قدّوس". لذا يجب ألاّ نسيء استعماله، بل علينا أن نحفظ ذكره في صمت العبادة المحبّبة وألاّ ندخله في أحاديثنا إلاّ لنباركه ولنمدحه ولنمجّده. على المؤمن أن يشهد لاسم الربّ بإجهار إيمانه بدون خوف. إنّ عمل البشارة والتعليم يجب أن يتحلّى بروح العبادة والاحترام لاسم ربّنا يسوع المسيح.
التلفّظ باسم الله بالباطل
تنهى الوصيّة الثانية عن سوء استعمال اسم الله، أي كلّ استخدام غير لائق لاسم الله، ولاسم يسوع المسيح والعذراء مريم، ولجميع القدّيسين.
إنّ الوعود المقطوعة للآخرين باسم الله تلزم الشرف والوفاء والحقيقة والسلطة الإلهية ويجب أن تُحترم من باب العدالة. لذا، فإنّ عدم الإيفاء بها هو سوء استعمالٍ لاسم الله، وبنوع ما، نحن نجعل الله كاذباً (1يو 1/10).التجديف هو التلفّظ بألفاظ محقّرة لله أو للقديسين أو للأشياء المقدّسة. التجديف هو تدنيس لاسم الله وهو إثمٌ فظيع لما فيه من التحقير لله تعالى وهو وقاحة كبرى، إذ إنّ الإنسان الحقير يتجاسر على شتم خالق السماء والأرض. وفي العهد القديم كان المجدِّف يُرجم بالحجارة حتى يموت. وكان الملك لويس في القرون الوسطى يأمر بقطع لسان المجدِّف.
القسم أو الحلف باسم الله
الحلف أو القسم هو اتّخاذ الله شاهداً على ما يؤكّده الإنسان. إنّه اعتماد صدق الله عربوناً للصدق الذاتي.القَسَم أو الحلف باطلاً هو أن نحلِف كذباً أو لأمر تافه، أو لأمر لا نريد أن نتمّمه، أو لا نتمّم ما حلفنا أن نتمّمه.
متى يجوز الحلف؟ لا يجوز أن نحلف باسم الله أو بالإنجيل أو بالقدّيسين إلاّ لأمر صادق ومهمّ وصالح، فالحلف لأجل إثبات كلام بسيط أو لأجل اللعب غير جائز وإن كان صادقاً، فهو غير مهمّ.
الحلف غير الصالح: من يحلف أنّه يضرب أو يقتل أو يسرق أو يفعل شرّاً فلا يجوز له أن يتمّم حلفه لأنّ هذه الأعمال غير صالحة تخالف شريعة الله.
الحلف الكاذب: إنّ الحلف الكاذب باسم الله والقديسين احتقار عظيم لله وللقدّيسين.
أمّا الحلف الصادق لأجل أمر مهمّ أمام القاضي أو الأسقف أو غيرهم فهو يمجّد الله.ذكر يسوع الوصيّة الثانية في عظة الجبل "سمعتم أنّه قيل للأولين: "لا تحنث (أي لا تخالف اليمين التي أقسمتها)، بل أوفِ للربّ بإيمانك". أمّا أنا فأقول لكم: "لا تحلفوا أبداً، لا بالسماء فهي عرش الله، ولا بالأرض فهي موطئ قدميه… فليكن كلامكم: نعم نعم، ولا لا. فما زاد على ذلك كان من الشرّير". إنّ يسوع يعلّم بأنّ كلّ حلف يتضمّن إفادة لله وبأنّ حضور الله وحقيقته يجب أن يحترما في كلّ كلام.
لقد فهم تقليد الكنيسة كلام يسوع هذا بأنّه لا يتعارض والقسم عندما يتمّ لأجل أمر خطير وصوابي (أمام المحكمة مثلاً). "القسم أي استدعاء اسم الله كشاهد للحقيقة يجب أن يستعمل للحقيقة فقط ببصيرة وصواب" كما جاء في تعاليم بولس الرسول (2قور 1/23، غلا 1/20).
النذور
النذر هو أن نعد الله بعمل صالح أو شيء صالح نكرّمه به. وبقدر ما نحترم الله نتمّم له.فمن يعد وعداً يلتزم أن يتمّ وعده. والنذر هو وعد من الإنسان لله فيجب على الإنسان أن يتمّمه.
النذر غير الصالح: من نذر بأن يقدّم شيئاً لله أو للكنيسة فقدّم شيئاً زريّاً حقيراً، كانت تقدمته كتقدمة قايين التي رذلها الله لأنّها كانت من نفاية ما عنده.
شروط النذر: أن يكون برويّة ومعرفة وحرّية، وإذا نقصه شرط من هذه الشروط فلا يلتزم به صاحبه. مثلاً: أمّ فقيرة داهم ابنها خطر فجائي فخافت وفي حال خوفها نذرت دون تروٍّ أن تقدّم إلى مار الياس إسوارة ذهبية. فنذرها ينقصه التروّي.ابنة نذرت أنّها إذا شفيت من مرضها ستزور ديراً مقدّساً مشياً على الأقدام فلمّا شفيت وجدت أنّ المزار بعيد جدّاً ولم تكن عارفة بذلك، فنذرها تنقصه المعرفة.ابنة أجبرها أحد أهلـها على الترهّب فدخلت الدير ونذرت النذور الرهبانية مرغمةً، فنذرها تنقصه الحريّة.على الناذر في هذه الظروف أن يعرض أمره على الكاهن المعرِّف.
النذر يلزم صاحبه فقط: لا يلتزم الإنسان بإيفاء ما نذره عنه آخر. مثلاً: اشتدّ المرض على شابّ وقارب الموت، فأخذ كلّ من الأهل والأقارب والأصحاب ينذر عنه نذراً. شُفي الشاب وتعافى فجاؤوا يخبرونه بالنذورات التي نذروها عنه، فالشريعة لا تلزم الشابّ أن يفي هذه النذورات لأنّ النذر يلزم صاحبه فقط، أي الذي نذره.يمكن إبدال النذر بما يماثله. فمثلاً نذرتَ أن تقدّم للكنيسة تمثالاً للعذراء، وكان في الكنيسة تمثال للعذراء فيمكن أن تقدّم شيئاً آخر بثمن التمثال. مَن نذر نذراً ولم يتمكّن من إتمامه فليعرض ذلك على مرشد اعترافه، والمرشد يبدّله له. امرأة نذرت بأن تمشي حافية طيلة شهرٍ ولم تتمكّن من ذلك بسبب صحّتها أو بسبب آخر، فالمعرّف يمكنه أن يبدّل لها هذا النذر.
زوال النذر: يزول النذر بالإبطال أو بالتفسيخ أو بالإبدال. يمكن للأب أن يُبطل نذر ولده، والرئيس نذر مرؤوسه والزوج نذر زوجته، إذا كان النذر يتعارض وسلطتهم.
النذور الرهبانية ثلاثة: العفّة والفقر والطاعة. هذه النذور تكون مؤقّتة أي تجدّد كلّ سنة، أو مؤبّدة أي مدى الحياة.هذه النذور هي مقاومة تيّار العالم وخاصّة العالم العصري، إنّ روح العالم العصري يوجّه الشباب كي يشبع من ملاذّ الحياة ونعيمها، فبنذر العفة يتخلّى الإنسان عن اللذّات الجسدية حتى الجائزة منها ضمن الزواج.يدعو روح العالم أن يكون الإنسان صاحب ثروةٍ كبيرةٍ يستخدمها للمجد والفخر ورغد العيش وهناءة الحياة، والعالم يعتبر الفقير حقيراً والغنيّ عظيماً. فبنذر الفقر يتخلّى الإنسان عن كلّ ملكية ولا يحقّ له أن يتصرّف في شيء دون إذن الرئيس.ينادي روح العالم بأن يكون الإنسان حرّاً، والحريّة هي أعزّ شيء على قلب الإنسان. ها هي الشعوب في اقتتال للدفاع عن الحريّة أو للحصول عليها. إنّ الإنسان يتباهى ويفاخر بالحريّة، وإذا فقدها عُدّ عبداً. فبنذر الطاعة يتخلّى الإنسان عن حريّته وإرادته ويطيع الرئيس ولا يعمل عملاً دون إذنه.فالشابّ أو الشابّة اللذان يتنازلان، حبّاً لربّهما وبقريبهما، عن إرادتهما وعن خيرات الأرض وعن ملاذّ الجسد، يستحقّان الإكرام والإعجاب والمحبّة!
الاسم المسيحي
يُمنح سرّ المعمودية "باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 28/19). في المعمودية يقدّس اسم الربّ الإنسان ويحصل المسيحي على اسمه ضمن الكنيسة. قد يكون اسم قدّيس عاش حياة أمانة مثالية لربّه، ورعاية القديس تقدّم لحامل اسمه مثالاً للمحبّة وتؤكّد شفاعته. "اسم المعمودية" يطبع المؤمن بالفضائل المسيحية.يبدأ المسيحي يومه وصلواته وأعماله بإشارة الصليب "باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين". يقدّم المعمّد يومه لمجد الله، ويستدعي نعمة المخلّص التي تمكّنه من التصرّف بحسب الروح كابنٍ للآب. هذا وإنّ إشارة الصليب تقوّينا في التجارب والصعوبات.يدعو الله كلّ واحد باسمه، اسم كلّ إنسان مقدّس. فالاسم هو أيقونة الشخص. لذا، يقتضي الاحترام، دلالةً على كرامة مَن يحمله.في ملكوت الله تشعّ بنور ساطع العلامة السرّية والوحيدة لكلّ شخص ممهور باسم الله. يقول الربّ "سأعطي الغالب منّاً خفيّاً وحصاةً بيضاء، حصاةً منقوشاً فيها اسم جديد لا يعرفه إلاّ الذي يناله" (رؤيا 2/17) هذا الاسم يمنحنا الله إيّاه في جرن المعمودية عندما نصبح أبناءه.
المراجع
- كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية.
- "المسيحية في أخلاقيتها" ( التعليم المسيحي الكاثوليكي للبالغين) سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليــوم، رقم 19 – منشورات المكتبة البولسية، لبنان، 1999
وصـايا الله العشر
احفظْ يومَ الربّ
إنّ الله قد خلق السماء والأرض وما فيها في ستّة أيّام وفي اليوم السابع استراح من عمله. وأخرج شعبه من مصر وحرّرهم من عبوديّة الفراعنة في اليوم السابع أيضاً. لذلك أمر بحفظ هذا اليوم تذكيراً براحته من أعمال الخلق العظيمة، بتحريره شعبه من عبوديّة الفراعنة.فالإنسان، إذاً، يتذكّر في يوم الربّ، قدرةَ الله العظيمة التي أوجدت المخلوقات، ويتذكّر راحة الله، أي فرحه وابتهاجه بما صنع، ويتذكّر الحرية التي أراد الله أن يمتّعه بها ليكون فرحاً مبتهجاً.
يوم الربّ في العهد القديم
الوصيّة الثالثة من وصايا الله العشر تذكّرنا بقداسة يوم السبت: "وفي اليوم السابع السبت، عطلة مقدّس للربّ" (خر31/15).فالكتاب المقدّس يذكر عمل الخلق في هذا الصدد: " لأنّ الربّ في ستّة أيام خلق السماوات والأرض والبحر وجميع ما فيها وفي اليوم السابع استراح، ولذلك بارك الربّ يوم السبت وقدّسه (خر 20/11) خصّ الله شعبه بيوم السبت لكي يحفظوه عهداً أبدياً. يوم السبت هو محفوظ للربّ لمدحه على أعمال خلقه وخلاصه.يروي لنا الإنجيل أحداثاً كثيرة أتُّهم فيها يسوع بخرق حرمة السبت، ولكنّ يسوع لم يكن يتوانى في تقديس هذا اليوم. فقد أعطى بسلطانٍ مفهوم السبت الصحيح: "إنّ السبت جعل للإنسان، وما جعل الإنسان للسبت" (متى 27/2). وقد أفهم الفريسيين بسؤاله: "أَعَمَلُ الصالحات يحلّ في السبت أم عمل السيّئات، وتخليص نفس أم إهلاكها؟" (مر 3 / 4). يوم السبت هو يوم رحمة الله وعزّه، فابن الإنسان سيّد السبت" (مر 2/28).
يوم الربّ في العهد الجديد
قام يسوع من بين الأموات: "في أوّ ل يوم من الأسبوع" (متى 28/1). أوّل يوم قيامة المسيح يذكّرنا بأوّل خليقة بعد يوم السبت، نعني الخليقة الجديدة المكرّسة بقيامة المسيح. وقد أصبح لأجل المسيحيين الأوّل لكلّ الأعياد، يوم الربّ.يتميّز يوم الأحد عن يوم السبت إذ نذكره لقيامة الربّ يسوع من القبر، لأنّ قيامة الربّ يسوع تتضمّن معاني السبت بنوع أسمى وأكمل. فسيّدنا يسوع المسيح بموته وقيامته خلقنا خلقاً جديداً وحرّرنا من عبوديّة الخطيئة. فعمل الخلق لم يكلّف الله ما كلّفه عمل الفداء. وتحريره إيّانا من الخطيئة أعظم بكثير من تحرير شعبه من عبوديّة الفراعنة.
الاحتفال بالقدّاس الإلهي
إنّ الاحتفال يوم الأحد بالقدّاس الإلهي هو قلب حياة الكنيسة النابض. "يوم الأحد، حسب التقليد الرسولي، إذ يحتفل بسرّ قيامة المسيح، يجب أن يحافظ عليه في الكنيسـة جمعاء كوصيّة يوم عيد" (قانون 246). ولذا، يقوم المسيحي بفروض العبادة الواجبة على الخليقة نحو خالقها الذي خلقها وافتداها وحرّرها. أمّا فروض العبادة فهي حضور القدّاس وسماع كلام الله وممارسة الأمور الدينية، والأعمال التقوية والخيرية، ومطالعة الكتب الدينية، التي تفقّهنا بالدين وتعمّقنا في الفضيلة ومحبّة الله.وفي العهد القديم تشكّى الله من شعبه قائلاً: "إنّ سبوتكم وأعيادكم أصبحت ممقوتةً، فما ذلك إلاّ لأنّ الشعب كان يمضي هذه الأيام في أفراح مادّية دون مبالاة بالأمور الروحية، كما يفعل اليوم بعض المسيحيين إذ يمضون أيّام الآحاد والأعياد في الملاهي والمنتديات والأفراح الدنيوية، ومنها المحرّمة، دون أن يفكّروا في المشاركة في القدّاس وفي الاهتمام بأمر نفوسهم، وكثيراً ما تكون أيّام الآحاد لفعل الخطايا والابتعاد عن الله!
عمَّ ينهانا الله في يوم الأحد وبماذا يسمح لنا؟
ينهانا الله بهذه الوصيّة عن العمل وهو نوعان: عقلي وجسمي.فالعمل العقلي هو الذي يعمل فيه العقل أكثر من الجسم، وهو مسموح يوم الأحد.أمّا العمل الجسمي فهو الذي يعمل فيه الجسم أكثر من العقل وهو غير مسموح به يوم الأحد إلاّ للضرورة.بعض الأعمال تعتبر عقلية ولو عمل فيها الجسم مثل عمل التصوير، وبعض الأعمال لا تعتبر جسمية ولو عمل فيها الجسم كثيراً مثل الألعاب الرياضية. أمّا الكتابة والقراءة والدرس والقيام بالأشغال المنـزلية الضرورية كإعداد الطعام وتنظيف البيت وترتيبه، وعرض بضاعة أو أمتعة كثيرة الأنواع، وقد صارت عادة في بعض البلدان يوم الأحد لعدم إمكانية اجتماع الناس في غير أيّام الآحاد، وبعض المهن مثل الحلاقة والتزيين.. هذه كلّها مسموح بها.ونظراً إلى الاختراعات الحديثة في عصرنا يصعب تحديد العمل الجسمي، أي العمل الذي يتعب فيه الجسم أكثر من العقل. مثلاً: "مراقبة آلة تعمل دون أن تحتاج من المراقب إلى أيّ تعب سوى الانتباه". فإذا كان عمل المراقب ضرورياً لمصلحة عامّة يسمح له بالعمل كيفما اعتبر عمله جسمياً كان أم عقلياً. وأيضاً، نظراً إلى حركة العمل في عصرنا كعمل عامل الهاتف وعامل القطار وعامل الفندق وغيرهم من العمّال الذين يؤمّنون مصلحة عامّة فإنه يسمح لهم بالعمل يوم الأحد، سواء اعتبر عملهم جسمياً أم عقلياً، لأنّ الضرورة تقضي بالعمل العامّ. لكن، على هؤلاء أن يهتمّوا بخلاص نفوسهم من حضور قدّاس وإتمام صلوات في وقت راحتهم ولذلك فقد سهّلت الكنيسة القدّاس المسائي و الصوم القرباني.
قدسيّة يوم الأحد
إنّ وصيّة الكنيسة تحدّد شرعية الربّ وتحقّقها "يوم الأحد وأيّام الأعياد المأمورة، على المؤمنين الاشتراك في ذبيحة القدّاس " (قانون 881/1)، "إنّ الذي يحضر القدّاس يوم العيد أم في مساء قبل يوم العيد يكون قد وفّى وجوب حضور القدّاس" (قانون 881/2).إنّ قدّاس يوم الأحد يؤسّس ممارسات الشعائر الدينية ويثبّتها ولذا، فالمؤمنون مجبرون أن يحضروا القدّاس في الأيّام المفروضة إلاّ في حالة المرض أو الإعفاء من قبل الرئيس الروحي (قانون 881/1)، وكلّ من يخالف هذه الوصيّة يرتكب خطيئة كبيرة.إنّ الاشتراك في الاحتفال الجماعي في الذبيحة الإلهية هو شهادة لاتّباعنا وإخلاصنا للمسيح ولكنيسته. بهذا العمل يحقّق المؤمنون شركتهم في الإيمان والمحبّة. إنّهم يشهدون معاً لقداسة الله ولرجائهم في الخلاص. إنّهم يتقوّون بعضهم مع بعض بقيادة الروح القدس.في احترام الحرّية الدينية ومصلحة الجميع يجب على المسيحيين أن يعرّفوا للجميع بأنّ أيّام الآحاد والأعياد الكنسية هي أيّام عطل شرعية. يجب أن يعطوا للجميع مثلاً جماعياً للصلاة، وللاحترام والفرح في الدفاع عن تقاليدهم كفريضة ثمينة للحياة الروحية. إذا كانت قوانين البلد تفرض العمل يوم الأحد أو ثمّة سبب آخر، لنعشْ هذا اليوم مثل يوم خلاصنا الذي يشركنا في "حفلة عيد" في "جماعة الأبكار المكتوبة أسماؤهم في السماوات" (عب 12/22 – 23).
المراجع
-كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية."المسيحية في أخلاقيتها" (التعليم المسيحي للبالغين) سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، رقم 19 – منشورات المكتبة البولسية – لبنان – 1999.يوم الربّ" رسالة رسولية لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني – الفاتيكان 1998، طُبعت باللغة العربية – جلّ الديب – المركز الكاثوليكي للإعلام – لبنان.
وصـايا الله العشر
أكرم أباك وأمك
مقدّمة
يا معلم، ماذا أعمل…؟ ( متى 16:19 )يا معلم، ماذا اعمل من صالح لأنال الحياة الأبدية؟ فقال له: " لماذا تسألني عن الصالح؟ إنّما الصالح واحد. فإذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا". قال له: " أيّ وصايا؟ فقال يسوع: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور. أكرم أباك وأمّك ". وأخيراً لخّص يسوع تلك الوصايا على نحو إيجابي: " أحبب قريبك حُبّك لنفسِكَ".لقد أعاد يسوع الوصايا العشر، ولكنّه أظهر قوّة الروح القدس العاملة في حرفها.عندما يُطرح على يسوع السؤال: " ما هي الوصيّة الكبرى في الشريعة "( متى 36:22) يجيب يسوع: أحبب الربّ إلهك بكل قلبك وكلّ نفسك وكلّ ذهنك. تلك هي الوصيّة الكبرى والأولى. والثانية مثلها: أحبب قريبك حبّك لنفسِكَ. بهاتين الوصيّتين ترتبط الشريعة كلّها والأنبياء.(متى 37:22-40) فالوصايا العشر يجب أن تُشرح في ضوء هذه الوصيّة المزدوجة الواحدة، وصيّة المحبّة كمال الشريعة.
فالمحبّة لا تصنع بالقريب شرّاً. فالمحبّة إذاً "كمال الشريعة "(رومة 10:13).
الوصايا العشر في الكتاب المقدّس
تعني كلمة " الوصايا العشر حرفياً " كلمات عشر" ( خروج 28:34)، (تث 13:4 ، 4:10) هذه الكلمات العشر أوصى بها الله إلى شعبه في الجبل المقدّس. لقد كتبها " بإصبعه " بخلاف الفرائض الأخرى التي كتبها موسى. إنّها كلمات الله بوجه ممتاز، نقلت إلينا في سفر الخروج، وفي سفر تثنية الاشتراع. ولكن معناها الكامل إنما كشف عنه في العهد الجديد بيسوع المسيح. تفهّم الوصايا العشر أولاً في قرينة الخروج، الذي هو حدث الله التحريري الكبير وسط العهد القديم. وسواءً اتخذت صيغة فرائض سلبية ناهية، أو صيغة وصايا إيجابية مثل: "أكرم أباك وأمّك" ، "كالكلمات العشر" تبين شروط حياة محررة من عبودية الخطيئة.
الوصايا العشر هي طريق الحياة.
وحدة الوصايا العشر
تؤلّف الوصايا العشر كلاً لا يتجزّأ. وكلّ " كلمة" ترجع إلى كل واحدة أخرى وإليها جميعاً، وهي مترابطة بعضها ببعض واللوحان ينير أحدهما الآخر، وهما يؤلفان وحدة عضوية. ومخالفة أي وصية، مخالفة لها كلّها. فلا يمكن إكرام الآخرين دون مباركة الله خالقهم ولا تمكن عبادة الله دون محبة جميع الناس خلائقه. إن الوصايا العشر توحّد حياة الإنسان اللاهوتية وحياته الاجتماعية.أكرم أباك وأمّك لكي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الربّ إلهك ( سفر الخروج 12:20).إن الله قد منحنا الوجود بواسطة والدينا وأشركهما بسلطانه علينا وأقامهما نوّاباً ووكلاء عنه يهتمّوا بأمورنا ويدرّبونا على حفظ وصاياه الإلهية، ويهدونا طريق السعادة السماوية.لذلك يأمرنا الله قائلاً: " أكرم أباك وأمّك بكلّ قبلك ولا تنسَ مخاض أمّك، أذكرْ أنّك بهما كُوّنت فماذا تجزيهما مكافأةً عمّا جعلا لك" (سي 28:7-30).فمن كرّم الوكيل فكأنّه كرّم الذي وكّله. فإذا كرّمنا والدينا نكون كرّمنا الله الذي وكّلهما علينا.
معنى الوصيّة
إنّ أوّل لوح من لوحي الوصايا العشر خاص بعلاقة الإنسان مع الله الذي يكشف ذاته للإنسان إلهاً أوحد، ويكشف اسمه للشعب، ويتجلى إله التحرير، ويُبرمُ عهداً صادقاً على الشعب الذي يتوجّب عليه أن يوليه ثقته ويكرّم اسمه ويحفظ السبت كعلامة للعهد الجديد والتحرير. واللوح الثاني من لوحي الوصايا العشر يوسّع نظرة العلاقة مع الله إلى علاقة الناس فيما بينهم وفي الحياة المشتركة، وتبدأ العلاقة بالوصية التي تطلب إكرام الوالدين.إنّ الوصيّة الرابعة توحّد بين إجلال الله والإكرام الواجب للوالدين. لكنّها لا تساوي بينهما، وذلك يتطابق أيضاً مع المعنى الأصلي للوصيّة الرابعة التي تُستعمل في الكلام على احترام الوالدين اللفظة نفسها التي هي لإجلال الله. ففي العبريّة " الإجلال " يعني التسليم بأهمّية الشخص الخاصة به، واعتباره ذو أهمّية. ويعني ذلك في علاقة الإنسان بالله، إعطاء الله الأهمّية التي تخصّه، والاعتراف بألوهيّته.وفي علاقة الأولاد بالوالدين، ذلك يعني إعطاء الوالدين الأهمّية التي تخصّ بهما في وصفهما كوالدين وإكرامهما أيضاً كأب وأمّ. أمّا لدى شعب الله في العهد القديم، فتقدم العلاقة بين إجلال الله والإكرام الواجب للوالدين، وبخاصّة الأب، على أنّ الوالدين مُلزمان بأن ينقلا للجيل اللاحق تعاليم تاريخ الله مع شعبه. فكان ينبغي أن يُحترم الوالدان احترام من أُوكل إليه أن يصون حيّة في الضمائر صنائع الله الباهرة ومسيرته مع الشعب نحو المصير الموعود. وفي العهد القديم لم يكن احترام الوالدين واعتبارهما صاحبي أهمّية يعني فقط احترامهما كأب وأمّ، بل كذلك النظر إليهما كناقلي الإيمان والوعد بالأرض. وعندما كان الجيل الجديد يحترم الوالدين من خلال هذا " القرب من الله " كلّ يشهد بذلك أنّه يحترم الله ذاته. والوصيّة الرابعة تقرن إلى تكريم الوالدين هذا وعداً بالبركة: " لكي تطول أيّامك وتصيب خيراً في الأرض التي يعطيك الربّ إلهك (تثنية الاشتراع 16:5 ، خروج 20-12).لقد ذكّر يسوع نفسه بقوّة وصيّة الله هذه. فقد قال موسى " اكرم أباك وأمّك " ، و " من لعن أباه وأمّه، فليمت موتاً "(مرقس 10:17).فالوصيّة الرابعة تتوجّه بوضوح إلى الأولاد في علاقتهم بأبيهم وأمّهم، لأنّه هذه العلاقة هي الأهمّ. وتعني أيضاً بعلاقة القرابة مع أعضاء الجماعة العائلية. وتقتضي بـتأدية الإكرام والمحبّة والاعتراف بالجميل للجدود والأقدمين. وتمتد أخيراً إلى واجبات التلاميذ تجاه المعلم، والعاملين تجاه ربّ العمل، والمرؤوسين تجاه رؤسائهم، والمواطنين تجاه وطنهم، ومن يديرونه ويحكمونه.وتقتضي هذه الوصيّة وتتناول ضمناً واجبات الوالدين والأوصياء، والمعلمين، والرؤساء والقضاة والحكّام، وكلّ الذين يمارسون سلطة على الآخرين أو على جماعة من الأشخاص ( ت م ك 2199) وهكذا تصبح الوصيّة الرابعة أحد أسس تعليم الكنيسة الاجتماعي، كما ينوّه بذلك كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ( ت م ك 2198 ) وتطرح علينا مسألة أن نعرف اليوم كيف يجب أن ننظر إلى الأسرة والجماعة الكنسية وكلّ الذين يمارسون سلطة شرعية على الآخرين.
واجبات الإنسان العائلية
1-واجبات الأولاد لوالديهم:
"وكان خاضعاً لهما" (لوقا 51:2). يظهر الاحترام بالبنوي بالطواعية والطاعة الحقيقيتين. "إرعَ يا بنيّ وصيّة أبيك ولا ترفض شريعة أمّك (…). هما يهديانك في سيرك ويحافظان عليك في رقادك، وإذا استيقضت، فهما يحدّثانك" (أم 20:6-22). "الابن الحكيم يسمع تأديب أبيه، وأمّا الساخر فلا يسمع التوبيخ"(أم 1:13). (ت م ك 2216).على الأولاد، بحكم الحنو البنوي أن يحترموا والديهم وأن يحبّوهم ويطيعوهم. ويقوم بواجب الاحترام هذا من يكنّ لوالديه الاعتبار الباطني ويعبّر لهما عنه في تصرّفاته الخارجية منهما ويخالفه وبالتالي يخطأ من احتقرهما ووجه إليهما كلاماً مهيناً أو وقف منهما موقفاً يذلّهما أو يسبّب ضرراً لهما، أو يستحي بهما أو ينكرهما لرقة حالهما… والمحبّة يجب أن تكون في العواطف والعمل وعليه قد خالف واجب محبّة الوالدين من أبغضهم أو دعى عليهم، أو عاملهم بما يجرحهم أو يسبّب لهم كرباً أو أهمل الصلاة لأجلهم أو مساعدتهم في حياتهم الروحية والزمنية.
2-واجبات الوالدين لأولادهم:
على الوالدين أن يحبّوا أولادهم، وهذا أوّل واجباتهم وأساسها وعنه تصدر جميع الواجبات الأخرى. وعليهم أن يحافظوا على حياتهم وصحتهم ونموّهم.والتربية حقّ طبيعي من حقوق الوالدين وليس لأحد أن يحرمهم إيّاها وهي أيضاً من واجباتهم. فعليهم أن يعلّموا أولادهم العلوم والثقافات وأن يعوّدوهم، من الصغر، على العمل والنشاط. وأن يراعوا قبل كلّ شيء خيرهم الأدبي والديني فيعطوهم المثل الصالح ويؤدّبوهم ويسهروا على سلوكهم ويربّوهم تربية مسيحية صالحة.كما على الأهل الذين يفوّضون إلى أساتذة ومربّين بعض سلطانهم الوالدي لتربية أولادهم أن يبيّنوا لأولادهم أنّه هناك واجبات عليهم تجاه أساتذتهم تشبه في بعض النقاط ما بين الوالدين والأولاد من واجبات متبادلة. فعلى الأولاد أن يحترموا أساتذتهم ويحبّوهم ويسمعوا لهم في كلّ ما يتعلّق بالدروس والآداب. وعلى الأساتذة بحكم فضيلتي العدل والمحبّة أن يعلّموا الأولاد التعليم الموافق وأن يربّوهم تربيةً صالحة.
3- واجبات الزوجين المتبادلة
من الواجبات الزوجية ما يقع على عاتق الزوجين معاً ومنها ما يقع على عاتق الزوج، ومنها ما يقع على عاتق الزوجة. فعلى الزوجين أن يتبادلا المحبّة والمساعدة والواجب الزوجي والأمانة الزوجية وأن يحافظا على وحدة الحياة المشتركة.من واجبات الزوج الرئيسية أن يهتمّ بإدارة البيت والعائلة وتدبير القوت والكسوة والسكن لها وهو يخطأ إذا لم يضمن للزوجة والأولاد حياة لائقة.وعلى الزوجة بصفتها رفيقة لزوجها أن تهتمّ بإدارة البيت تحت سلطته. وتخطأ إن أهملت الأشغال البيتية، أو أنفقت المال المشترك بإسراف غير معهود وأهملت تربية أولادها والاهتمام بإدارة منـزلها.
الحياة المسيحية في الأسرة
1- الأسرة مكان حفاوة وإيمان :
إنّ كلّ ما يختصّ بالشخص البشري وعلاقاته الشخصية اليوم، هو على وجه العموم، موضوع تقدير كبير. والأسرة والحياة العائلية تفيدان أيضاً من هذا التقدير. فالأجيال الجديدة ترى في الأسرة مكاناً أصيلاً لاختيار بذل التضحية والحفاوة والمحبّة والفرح. فالولد يكتسب في الأسرة بالنسبة إلى الحياة تلك الثقة الأساسية التي تمكّن الإنسان من اكتشاف نفسه وبذل ذاته والذي لم يختبر الثقة ليس بإمكانه أن يثق بدوره، ويكون من الصعب عليه أن يركن إلى آخرين. ولا شيء يحلّ البيئة العائلية وما توفّره من خبرة في هذا الموضوع: فالأولاد يحتاجون إلى عائلة، في حضنها يقومون مع إخوتهم وأخواتهم وهم مغمورون بعطف والديهم، بالتدريب على تصرّفات اجتماعية لا غنى عنها في نضوجهم. وعندما ينعدم أمان الأٍسرة، تتعرّض علاقة الأولاد بيئتهم الحياتية لخطر الانفصام.وفي وسط الأسرة يُربّى الأولاد على التأثّر بالقيم والقدوات وبالوهن والخطأ، وبآراء مختلفة ومنازعات، كلّها عوامل نمو ونضوج. كما أنّ مثل الوالدين يتيح لهم اكتشاف التعابير الحسّية للمحبّة وتقاسم الأعباء. ونوع العلاقة بين الوالدين يُسهم في تكييف موقف الأولاد من الجنس والحبّ والإخلاص و الثقة. وفشل زواج الوالدين يؤثّر أكثر من أي خطأ آخر على موقف الأولاد من الحياة.
2-الأسرة مكان تربية وتثقيف
تتطلّب وظيفة الأهل أن يتعرّفوا إلى ما في الحياة من علاقات ويدركوا ما عهد له إليهم من قيم وأنظمة للحياة.وفي ارتباطهم بمؤسسات تربوية وتثقيفية أخرى، يحقّ لها كما يجب عليها، أن تربّي الأولاد والشباب من أجل تأهيلهم لكي ينهضوا بأعبائهم في الأسرة والمجتمع والكنيسة.
3-الأسرة كنيسة منزليّة
منذ العصور الأولى، تولي الكنيسة أهمّية كبرى للكرازة المتعلّقة بالأسرة المسيحية. فها هو القديس يوحنا الذهبي الفم، منذ أواخر القرن الرابع، يدعو الأسرة" كنيسة "، كما تصف، اليوم أيضاً، وثائق الكنسيّة الأسرة المسيحية " بالكنيسة المنزلية" (ك11)، أو" بمعهد الكنيسة البيتي "(ر ع 11)، أو " بالكنيسة المصغّرة " ( ش ع 49). إنّها، بنوع خاصّ صورة وتحقيق " للوحدة التي تربط المؤمنين بالمسيح، وتجمعهم بعضهم إلى بعض، في وحدة كنيسة الله "(ش ع 21).فالكنيسة الشاملة والكنيسة المنزلية مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً إحداهما بالأخرى، وتقوم بين الاثنتين علاقة تنشيط وإخصاب متبادلين.وللكنيسة رسالة، بالنسبة إلى كلّ البشر، بما في ذلك الأسرة. فالكنيسة تتيح لها أن تكون متحدة مع يسوع المسيح، وتمنحها توجيهاً مسيحياً: الكنيسة، بإعلان كلمة الله، تكشف للأسرة ما هي، وما يجب أن تكون، وفقاً لتصميم الربّ. والكنيسة، بالاحتفال بالأسرار، تُغني الأسرة وتثبّتُها بنعمة المسيح، كي تصيرَ مقدّسة، من أجل مجد الله.وتعيش الأسرة المسيحية اتّحادها بالله في الاحتفال بالأسرار وفي الصلاة المشتركة. فعليها أن تتّصل باستمرار بجذورها الدينية. فهذه قد أعطيت لها بالمعمودية والتثبيت، وهي تحدّد وتنعش في الاحتفال بالإفخارستيّا وفي قبول سرّ المصالحة. كما تقع مسؤولية خاصّة على الأسرة، في ما يخصّ التحضير لهذه الأسرار وقبولها، ومواكبة الأولاد والشباب في ممارستهم للأسرار وتعميقها فيهم. وكثيراً ما تأخذ مجموعات أسرية على عاتقها التحضير لسرّ التثبيت، أو يكون لآباء وأمّهات نشاط في التعليم المسيحي. ومن المهمّ أيضاً لحياة الأسرة أن تواكب الأزمنة المختلفة للسنة الليترجية. فالعادات المترسّخة تعمّق الإيمان وتقوّيه. وعلى الأسرة المسيحية أن تشهد لإيمانها. والزوجان يدعمُ أحدهما الآخر في الإيمان وينقلانه إلى أبنائهما، لا بالكلمات، في أوّل الأمر، بل بالعيش بمقتضى الإنجيل وتفعيله في حياة الأسرة. إنّ الأسرة التي تعي هذه الرسالة يعطي كلّ أعضائها بعضهم بعضاً شهادة الإنجيل. فالوالدان ينقلان هذه الشهادة إلى الأولاد، ويمكنهما أن يتلقّياها، بدورهما، منهم إنجيلياً حيّاً. وهكذا تغدو الأسرة أيضاً مبشّرة بالنسبة إلى أسر أخرى وغلى البيئة التي تحيا فيها ( إ إ 71).تتوجّب مهمّة الكرازة هذه أيضاً على الأسر المبنيّة على الزواج الديني المختلط. وعليها تقع مهمّة السعي في اتّجاه الوحدة في الإيمان. ولذا تحتاج الأسرة إلى النصح والرعاية من قبل رعاة يعلّمونها الإيمان ويبشّرونها برسالة الكنيسة الأخلاقية. إلاّ أنّ الأسر نفسها بإمكانها أن تتعاون وتتبادل النصح، من خلال مجموعات أُسر أو أصدقاء، كما في وسط الرعيّة. وذلك ضروريّ خصوصاً " حيث الكفر المنتشر أو النزعة الدنيوية الطاغية يحولان، عملياً، دون نموّ ديني حقيقي " ( ش ع 52). وفي هكذا مواقف، غالباً ما تكون الكنيسة المنزلية المكان الوحيد حيث يُلقّن الأولاد والشبّان الإيمان ويختبرون حياة الإيمان.على الأسرة المسيحية أن تكون مستعدّة لخدمة المحبّة لدى القريب. فدعوتها إلى الشهادة لمحبّة يسوع المسيح تتكفّل بها الأسرة بصورة مُقنعة، عندما تحتفي بالقريب، وتعتني بالمرضى والمسنين، وتمارس أعمال الرحمة. على الأسرة المسيحية أن تحيا بمقتضى الشريعة الجديدة، شريعة المحبّة، أن تكون مستعدّة لاستقبال جميع الناس واحترامهم ومساعدتهم. عليه أن توقّر كلّ إنسان في كرامته كشخص وكابن لله.الأسرة هي حيّز حياتيّ، يمكن أن تكون حيّة فيه، باسم يسوع المسيح، تلك الوحدة التي تجعله حاضراً في وسطنا (رَ:متى 20:18). وبهذا بالذات تصير كنيسة منـزلية مرئيّة وفاعلة.من حياة الأسرة يمكن للكنيسة ويجب عليها أن تكتسب المقاييس التي تُظهرها هي نفسها أسرة الله ". عليها أن تتّسم ببُعد بيتي وعائليّ، وتسعى إلى نمط حياة أكثر إنسانية وأخوّة.إنّ للأسرة المسيحية أهمّية يتعذّر استبدالها، بالنسبة إلى الكنيسة. فهي، ك " كنيسة منزلية " تُسهم بإيمانها وصلاتها وتصرّفها، في وسط الجماعة الكنسيّة والكنيسة الشاملة، وفي الوقت عينه تُشعّ في العالم.
واجبات الإنسان الوطنية
1- واجبات السلطة المدنية
على السلطة المدنية واجب رئيسي وهو أن تسعى للخير العام، فتستعمل كل قواها لإبعاد الشرّ عن المواطنين وتشجيع الخير، وحماية الدين والآداب، وتوزيع الحقوق والواجبات بالعدل والإنصاف وتطبيق القوانين دون محاباة، وتقليد الوظائف الرسمية من هو أهل لها فقط.
2- واجبات المواطنين
على المواطنين أن يحبّوا وطنهم إذ أنّهم مدينون له بالحماية ونموّ المنافع المشتركة المتوارثة عن الجدود، فيعملوا في سبيل حلول الوئام بين أبنائه.وعليهم أيضاً احترام السلطة. وأن يخلصوا لها وأن يخضعوا للقوانين بوجه عام.هكذا يوضح لنا القديس بولس سرّ الطاعة كما يبزغ في كل ضمير مستقيم، إذ يكتب إلى الرومانيين: " ليخضع كل امرئ للسلطات التي بأيديها الأمر، فلا سلطة إلا من عند الله، والسلطات القائمة هو الذي أقامها. فمن عارض السلطة قاوم النظام الذي أراده الله. والمقاومون يجلبون الحكم على أنفسهم. فلا خوف من الرؤساء عندما يفعل الخير، بل عندما يفعل الشرّ. أتريد ألاّ تخاف السلطة؟ إفعل الخير تنل ثناءها، فإنّها في خدمة الله في سبيل خيرك. ولكن خفْ إذا فعلت الشرّ، فإنّها لم تتقلّد السيف عبثاً، لأنّها في خدمة الله كما تنتقم لغضبه من فاعل الشرّ. ولذلك لا بدّ من الخضوع، لا خوفاً من الغضب فقط، بل مراعاة للضمير أيضاً " (رومة 13/1-5).هكذا يعتبر القديس بولس أن " الخضوع للسلطات" هو عمل " صالح" بالتالي من الضروري أن نخضع " بدافع ضميري".
خاتمة
الوصايا العشر تعبّر عن واجبات الإنسان الأساسية تجاه الله وتجاه قريبه. فهي تبيّن في مضمونها الأوّلي واجبات خطيرة. إنّها في جوهرها لا تقبل التغيير، وإلزامها ثابت أبداً وفي كلّ مكان. وليس في استطاعة أحدٍ أن يعفي منها. لقد حفر الله الوصايا العشر في قلب كلّ كائنٍ بشريّ.وعلى المسيحيين واجب شكر خاصّ لمن تقبّلوا منهم عطيّة الإيمان، ونعمة المعمودية والحياة في الكنيسة. وقد يتعلّق الأمر بالوالدين، أو بآخرين من أعضاء الأسرة، أو بالجدود، أو الرعاة، أو بمعلّمي الدين أو بمعلّمين آخرين وأصدقاء. أيّها لأبنـاء، أطيعوا والديكم في الربّ، فذلك عدل. أكرم أباك وأمّـــك". (أفسس 6/1-2).
المراجع
- التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية
- الخلقية نؤمن- منشورات معهد الليترجية في جامعة الروح القدس – لبنان 1993
- مختصر اللاهوت الأدبي الكاثوليكي –منشورات الرابطة الكهنوتية – لبنان 1980
- رسالة الأسرة المسيحية في عالم اليوم – قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني – الفاتيكان 1981
اثبات العقائد الدينية – الأب ميخائيل صافي بيروت 1996
وصـايا الله العشر
لا تقتـل
(ملاحظة: هذه الحديث هو النص المضغوط لفصل الخامس من كتاب المسيحية في أخلاقياتها" لمن يرغي في الذهاب إلى أبعد: العودة إلى الكتاب من ص 257 – 302).
1- قيمة الحياة الإنسانية
1- صيغة الوصية: هي نفسها في روايتي الوصايا العشر "لا تقتل" (خر20 /13- وتث5/17)؛ أو يُقصد بها القتل المتعمّد غير الشرعي، بما فيه القتل الناتج عن عدم الحذر والتأني.
2 - معنى الوصية: إن الحياة ثمينة ومقدسة وكرامة، الإنسان أنه خُلق على صورة الله ومثاله. فالقضاء عمداً على حياة القريب خطيئة تصعد صرختها نحو السماء والحياة وجود لائق بكرامة الإنسان، وكل عمل أو فعل يجعل من القريب شيئاً يكن التصرف به يندرج في خط القتل. فالله هو سيد الحياة وصائنها، والإنسان مدعو للاشتراك في حياة الله، فالحياة الأرضية موجهة نحو الحياة مع الله. فالوصية تعني: احترام الحياة والحق بالحياة وحماية الحياة.
3 - النهي عن القتل ووصية المحبة: إن المعنى الإيجابي للوصية هو ذلك الموقف الذي يتخذه الإنسان تجاه الإنسان الآخر، هو "النعم" المرتكزة على نَعَم البشر تجاه الله وعلى نعم الله تجاه البشر. فالعدالة ومحبة الله والقريب تتجلى في أن تجري الحك وتحب الرحمة وتسير بتواضع. وصّدق يسوع هذا "وحي الإرادة الإلهية" وتعداه في رسالته بطريق تثير الإعجاب (أريد رحمة لا ذبيحة)، ومع يسوع يتعدى القتل الإرداء الجسدي إلى الغضب والكلام المهين.
4 - الوصية الخامسة في عصرنا: تتجه الوصية إيجابياً نحو "الحفاظ على الحياة"؛ وهذا التوجه يمس البشرية في عالم اليوم المتبدل، فالمقصود هو صيانة الحياة وتعزيزها بنوع يوافق كرامة الإنسان ويحقق العدل في معاملته.
2 - العمل على ازدهار الحياة وتنظيمها
1 - ازدهار الحياة الجسدية والروحية: السؤال هو : كيف يمكننا أن ننمي الحياة ونضفي عليها أشكالاً؟ دون الإعلاء من شأن الجسد حتى العبادة، ولا الحط من كرامته إلى حدّ الاحتقار، فالإنسان، في النظرة الكتابية المسيحية، واحد بجسده وروحه، وحياته الجسدية موكلة إليه بمثابة عطية من الله.
2 - حماية الصحة وتعزيزها: وذلك في الحفاظ على المقاييس الصحية واحترام نظام الأمور. فخير الإنسان الأسمى هو في سعادته ونجاح حياته أكثر مما هو صحته (موقفنا من المعاقين: قبول الله له ودعوته إياه للحياة). فكل الأنشطة من عمل وراحة وتنشئة وفن وفكر عليها أن تُبقي الإنسان محورها وليس المال والشهرة مما يقود إلى تدمير الصحة. (الوسائل المُنشطة).
3- مخاطر الصحة والحياة
1 - الأدوية والكحول والمخدرات: الملاحظ ازدياد في عدد الأشخاص الذين يفشلون في التكيف مع واقع الحياة، ورغبة منهم وتوقهم إلى التحرر والاستقلالية يلجؤون إلى الأدوية والكحول والمخدرات، فيتعودون عليها وتغريهم فتقودهم إلى الانتحار البطيء وتدمير الذات والموت، وذلك على عكس ما تعدهم به.فالاستخدام الطبي للمهدئات والمخدرات جائز أخلاقياً على أن لا تصل بهم الحالة إلى وضع لا يعود فيها الإنسان سيد قواه العقلية. فمن شروط الحياة الكريمة أن يجتهد كل واحد أن يرى حدوده ويمارس الاعتدال أو التجرد. والوقاية تكون في الأٍسرة من خلال الحوار والاستشارة، والمدرسة والكنيسة من خلال فرق الشباب ونوادي العائلات و اللقاءات الشخصية والمراكز الاستشارية. فالإيمان المسيحي يمنح الرجاء الذي يحرر من الخوف واليأس والفشل، الرجاء بيسوع المسيح.
2 - مرض نقص المناعة (الإيدز Aids أو السيدا Sida): الفرد والجماعة معنيان بهذا المرض وعليهما أن يتصرف تجاهه تصرفاً مسؤولاً مع الانتباه إلى البعد الأخلاقي للجنس وإلى قبول المجتمع الشخص المصاب وعدم معاملته بازدراء أو تمييز، وعلى المصاب الانتباه والوقاية.
3 - الانتحار: هو عمل يضع به إنسان ما حداً لحياته السؤال: هل يجوز من الوجهة الأخلاقية بشر فقدان الحياة بالانتحار؟ هل الانتحار قتل متعمد للذات؟ أليس من حقوق الإنسان الأساسية أن يكون حراً في وضع حداً لحياته؟ الانتحار هو رفض لاستمرار العيش في الحرية ورفض للذات. هو عمل يقضي على الحرية قبل الأوان. من قتل نفسه ينكر الله الذي وهبنا الحياة. ورفض الحياة هو رفض للحرية، ورفض العيش في الحياة هو رفض لله، لذلك لا يمكن تبرير الانتحار أخلاقياً. الانتحار هو رفض لمحبة الله للإنسان وإنكار لمحبة النفس والتوق الطبيعي إلى الحياة ولواجب العدل والمحبة تجاه القريب والمجتمع. إيماننا المسيحي يقابل تمجيد الانتحار المتعمد بنظرة إلى الحياة متأصلة في الإيمان. فإيماننا يجعلنا نثق بأن الله، في كل حالة، يستطيع أن يلتقي حياتنا من جديد.
4 - التعرض للعنف والتعذيب وعقوبة الإعدام: الدفاع عن النفس جائز أخلاقياً إذا لم يكن ممكناً رد المعتدي بغير العنف الجسدي على أن لا يكون ثمة نية بأن يُلحق بالمعتدي الظالم ضرر جسيم تفوق نسبته الجرم الذي قام به أو بقتله، وأن لا يكون الدفاع مُحركاً بفكرة الثأر.
التعذيب: و تهديد جسيم لحياة الإنسان وكرامته. وهو أمر مرذول أخلاقياً، ويتنافى والكرامة، الإنسانية ويولد شروراً كثيرة، ولا يخدم بأي شكل السعي إلى الحقيقة (التعذيب النفسي والجسدي).
الإعدام: استخلص من التقليد المسيحي من (رو13/4)، حق الدولة بإصدار الحكم بالموت، متى فقد المجرم حقه بالحياة لاقترافه جرماً يستحق تلك العقوبة. ويُعترف للعدالة البشرية بالسلطة الضرورية لإصدار حكم عادل، مما يعني، في حال حصول جريمة قتل الحكم بموت القاتل. ولكن التقليد المسيحي لا يستثني حق الدولة بإصدار عقوبة الموت كوسيلة قصوى. انطلاقاً من الإيمان، وعلاوة على التدابير القانونية التي تحددها الدولة، على المسيحيين أن يتذكروا أن أكبر مجرم يمكنه أن يتصالح مع الله بقبوله نعمة الإقرار والتوبة. هذه الخلفية قد قوّت الاقتناع بأن المسيحيين، لا يمكنهم أن يكونوا من دعاة عقوبة الإعدام.
5 - الالتزام والتضحية بالصحة والحياة: تنهي الوصية الخامسة عن القتل وتأمر بحماية الحياة وتعزيزها، وتلفت الانتباه إلى مختلف القيم التي ينبغي أخذها بالاعتبار في حياة متوافقة مع المتطلبات الأخلاقية. فالحياة خير أسمى، إنها خير أساسي فنحن ملزمون أخلاقياً بحماية الحياة الإنسانية والمحافظة عليها، آخذين بعين الاعتبار من ضحى بحياته في سبيل خيرات وقيم أخرى: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل ذاته عن أحبائه" (يو15/13).
4- حماية الحياة الإنسانية في بدايتها
1 - أسئلة ومشكلات في موضوع بداية الحياة الإنسانية: إن الكنيسة انطلاقاً من اعتقادها بأن كل حياة إنسانية لها كرامتها وقيمتها تلتزم الدفاع عن الحياة الإنسانية الضعيفة وغير القادرة على الدفاع عن نفسها، حتى قبل الولادة، فكثيرون يعتقدون أن الطفل قبل مولده لا يملك الكرامة نفسها التي له بعد مولده. وعليه فالإجهاض وقتل الأجنة جريمتان مُنكرتان (ك ع51). فالحياة البشرية الإنسانية تبدأ لدى الإخصاب فليست هي "شيئاً يسبق الإنسان" ولا هي "جزء من الأم" ولا "مجرد إنتاج من الزرع" ولا "حياة في صيرورة"، فمنذ الحبل نحن بإزاء حياة إنسان في بدء تكوينها وفيها مُتضمنة كل المراحل اللاحقة. فكل من يستخدم وسائل تمنع البويضة الملقحة في رحم المرأة، إنما يقضي على حياة إنسانية، لا يمكن من الوجهة الأخلاقية معادلة مثل هذه الوسائل بوسائل منع الحمل. "الطفل هو كله طفل والديه وهو كله طفل الله الخالق".
2 - حماية الحياة الإنسانية في حالات الصراع: الصراع بين عدة خيرات؛ للحفاظ على خيرات تبدو لهم مهمة أو يستحيل على الأصل التخلي عنها. مهم جداً معرفة الوقائع والمفاهيم المستخدمة معرفة جيدة؛ والتمييز بين التدابير القانونية والأحكام الأخلاقية للوصول إلى قرارات أخلاقية مسؤولة. فالقرائن المستخدمة لوقف الحمل إنما تدل على مشكلات مطلوب حلها مثل الاغتصاب والعنف أو الحالة النفسية والاجتماعية الشاقة وصحة الأم وحياتها إن كانت في خطر وتحسين النسل والإعاقات… فالسؤال الأخلاقي بالذات هو: هل هذه القيم على جانب كبير من الأهمية أو الضرورة الملحة بحيث ينبغي تفضيلها على الخير الأساسي الذي تشكل الحياة المُعدة لأن تبصر النور؟ هذه المشاكل لا يجوز حلها بقتل الطفل الذي تم الحبل به.إن أدق القرائن الطبيعية وهي المتعلقة على صحة الأم قد تقلصت كثيراً نتيجة التقدم العلمي الطبي لا بل أصبحت نادرة، وفي الحالات النادرة جداً، حيث حياة الأم وحياة الطفل في الوقت عينه في خطر، وفي هذه الحالة "متى كانت في خطر حياتان يستحيل إنقاذهما معاً، يجوز من الوجهة الأخلاقية العمل على إنقاذ إحداهما على الأقل" إذ أن الهدف، هدف العمل الأساسي، هو إنقاذ الحياة.
3 - الاستشارة بشأن الجينات والفحص الذي يسبق الولادة: أسهمت هذه الاستشارات في أثناء الحمل والفحص الذي يسبق الولادة ي خفض المضاعفات، ولكن كل هذا التقدم العلمي لم تلغ مخاطر الحمل، فهناك ولادات بعاهات مردها أسباب جينية أو اختلال في تبدل الخلايا إبان فترة الحمل. السؤال هو: إذا تبين أن العاهة وراثية، هل يمكنهم اتخاذ مسؤولية إنجاب طفل آخر ؟ إذا تبين أن هناك عاهات وراثية في العيلة القيام بتشخيص جيني قبل الزواج، على أن لا يربط الزوجان متابعة الحمل بعد الزواج بشرط سلامة الجنين من العاهات فكل حياة إنسانية حتى المصابين بعاهة أو إعاقة هي في نظر الله جديرة بالعيش، وليست في تصرف الإنسان فكل الفحوصات والتشخيص الذي يسبق الولادة هو إيجابي في حال الاطمئنان والتدخل الطبي للحياة والمعالجة وهو سلبي في حال كان القصد منه وقف الحمل إذا تبين وجود عاهة أو مرض لدى الجنين، فالتشخيص بهدف الإجهاض مرفوض خلقياً؛ وهو مقبول إذا كان لحماية الطفل وإنطاقاً من القيمة الإيجابية لكل حياة بشرية. فإن قيمة الإنسان غير مرتبطة بصحته ولا بسعادته ولا بفائدته ولا بجنسه ولا بقبول والديه له، بل بكونه إنساناً وبكونه على صورة الله وبقبول الله له ودعوته إلى مستقبل أبدي. المبدأ الأخلاقي هو احترام كل كائن بشري على أنه شخص والتصرف معه على هذا الأساس.
5- الاعتناء بالأشخاص المرضى والمحتضرين
1 - المرض والاحتضار والموت في الحياة المسيحية: حياتنا هي "فترة من الزمن مؤقتة" نختبر فيها الوجع والألم والمرض والموت ووداع الآخرين وفقدانهم. وذلك لأسباب متعددة منها جسدية ونفسية، والمرض يصيب الإنسان كله، فيشعر أن مُستبعد ومعزول عاجز ولا يفيد أحداً. ولكن هل يمكننا أن نفهم حقاً النزاع والموت؟ أمام موت طفل، أمام الكوارث والجوع والحوادث والمرض. يقول أبيقور: "إن ارهب الشرور، أعني الموت، لا يعنينا فما دمنا على قيد الحياة لا وجود لموت، وعندما يحضر الموت لا نعود في الوجود". والتفكير المؤمن بالموت يستند إلى أن الله هو الإله الحي وأنه بكونه خالق الحياة، يجب أن تحيا خلائقه ويثبت في محبته لنا حتى في الموت لأنه "خلق كل شيء للوجود" وهو "لا يُسر بهلاك الأحباء، (حك1/13-14). النظرة إلى الموت من خلال الإيمان تجعل مواجهة الموت، بالنسبة للمسيحي، معنىً يقوم على التمسك بالله في الثقة والتخلي عن ذواتنا، في الموت يُمتحن إيماننا الأخير.
2 - خدمة المرضى والمحتضرين: نحن مسؤولون عن المحافظة عن الحياة والاهتمام بالصحة والصراع ضد الأمراض وشقائها وعن مرافقة المحتضرين ومساعدتهم، وهذه هي أيضاً غاية العمل الطبي وغاية الإسعافات التي يتجلى هدفها الأسمى في خير المريض في المعنى الشامل للكلمة: "عمل رحمة" السؤال الأخلاقي هو: هل يحق للطبيب أن يفعل كل ما يستطيع الطب أن يحققه؟ هل يجب الحفاظ على الحياة وإطالتها مهما كان الثمن؟ ما هو المسموح به أخلاقياً وما هو المرفوض في نهاية الحياة؟ لا يحق لنا التصرف بالحياة الإنسانية تصرفاً مطلقاً، في أية مرحلة من مراحلها، ويحق للإنسان أن يموت بكرامة. فالميتة الميَسرة أو الموت الهنيء أو الأوتانازيا، أمر مرفوض خلقياً. أمّا الأمر المسموح به خلقياً فهو التخلي عن استخدام الوسائل القادرة على إطالة الحياة لمدة ما والتي لا تسهم إلا في إطالة آلام لا تطاق. فيترك المريض كي يموت بكرامة ولكن شرط دون أي تدخل يسبب الموت، وهذا ما يسمى بـ "الميتة الميسرة السليبة" أما "الميتة الميسرة المفتعلة"، أي التدخل المباشر في المسيرة التي تقود إلى الموت، وتأخذ شكل عمل قتل متعّمد إزاء المريض، ولو كان هذا القتل مطابقاً لأمنيته، فهذا أمر غير مسموح به أخلاقياً، وكذلك الأمر في الإهمال المقصود به وضع حد للحياة قبل الأوان.المساعدة على الموت ضمن إطار الإسعاف تهدف إلى تسهيل موت المحتضر وإلى مساعدته على تقبل موته.احترام النهاية المحتمة يقتضي أن نتوارى ونقتل الموت. الحياة هي عطية من الله وهي مستندة إلى الله ومرتبطة به في كل لحظة حتى نهايتها الأرضية وما بعد ذلك. إن إنهاء الحياة عن عمد يعني التصرف بها تصرفاً تاماً، وهذا غير مقبول.
وصـايا الله العشر
لا تسـرق
مقـدمة
لا تسرق هي الوصية السابعة من الوصايا العشر.وهذه الوصية لها إطارها التاريخي والجغرافي والاجتماعي ولن أخوض فيه وإنما أترك كل هذه الأمور للمختصين فيها.إن الوصية السابعة التي تنهى عن السرقة ندّعي جميعاً بأننا قد تجاوزناها وكل منا بإمكانه أن يعتبر نفسه بريئاً من هذه التجربة. حتى أننا في حياتنا اليومية لا نسمع كثيراً عن حالات سرقة إلاّ القليل ( نسبة إلى عددنا وكثافة سكّان مدينتنا).
أثناء دراستي الفلسفية واللاهوتية وحتى أثناء أعوام الاختصاص في العلوم التربوية لا أذكر أنني درست شيئاً عن الوصية السابعة.وإنما أذكر أني درست مادة كان عنوانها: دعوة إلى العدالة. الآباء اليسوعيون كانوا على حق لأن الوصية السابعة هي ظاهرة بسيطة لخطيئة وتجربة عميقة الجذور إلا وهي اللاعدالة. فإذا فكّرنا بسلوكنا العادل من الصعب أن نجد أنفسنا بعيدين من هذه التجربة التي من ظواهرها السرقة.إن حديثي لكم اقتبسته من مرجعين هما: "التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية" و"الكنيسة في أخلاقياتها".وهو محاولة بسيطة لإلقاء الأضواء على بعض المشاكل التي بدأنا نعاني منها ويبقى لكل واحد منكم أن يستنتج ما يخص الحالة التي يعالجها كمربّي في جمعية التعليم المسيحي.
تعـاريف
1-التملك:
عامة يعني العلاقة بين شيء وشخص. علاقة تسمح لصاحب الشيء أن يحتفظ به أو أن يغير من حالته أو أن يتلفه.
مصادر المُلكية:
1-الوراثة: عن الأجداد والآباء.
2-الهبة: من شخص إلى شخص.
3-الشراء: مقابل مبلغ معين.
4-التبادل التجاري بين الأفراد.
5-الإنتاج: منتجات المصنع أو الأرض.
ثلاث مسائل قانونية
1-قانونية الاستعمال
2-قانونية الثمار المنتجة.
3-الحق في تغيير وتشويه وتلف الشيء.
2-المُلكية في العالم الاقتصادي الحالي:
ثمة تغيرات طرأت على الحالة الاقتصادية في العصور الأخيرة.
آ-التغيرات الجغرافية... فلم تقتصر التجارة اليوم على التبادل بين منتجات الأرض ومنتجات المصنع في نفس البلد. بل نشأ سوق ونظام تجاري عالمي فيجب الانتباه إذاً إلى:
آ-التجارة الخارجية العالمية.
ب-النظام التجاري الواحد ( العولمة)
ج-التغير الاقتصادي في بلد ما يؤثر على الدول الأخرى.
ب-التغيرات التي طرأت على فكرة الملكية: فالملكية اليوم ليست أرضاً فقط أو سيارة بل هي شيء مجرد: حسابات في البنوك، أسهم في شركات عالمية...
من نتائج هذه التغيرات نشأت الرغبة في امتلاك الأسهم، والحصص والحسابات في الخارج. والهدف المرجو هو زيادة الرأسمال.
ج-تبادل الأدوار بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية: فبينما كانت السلطة السياسية تنظم القوى الاقتصادية أصبحت هذه الأخيرة تتحكّم بالأولى.
3- من أشكال الملكية:
مقتنيات استهلاكية ( الأكل، الملابس...) مقتنيات للاستعمال( الأثاث) الملكية العقارية (المنزل...) ملكية المال ( إدخارات مالية، حسابات)، ملكية غير مباشرة للأموال العامة، الملكية الفكرية، حقوق النشر المتعلقة بالأعمال العلمية أو بالمؤلفات الموسيقية أو الأدبية
4-لا تسرق: الوصية السابعةتنهى من:
1-أخذ مال القريب أو حفظه دون حق.
2-إلحاق الضرر بالقريب في أمواله بأي وجه من الوجوه.
وهي تفرض:
العدالة والمحبة في إدارة الأموال الأرضية وثمار عمل الناس.
وتقتضي في سبيل الخير العام:
1-احترام كون الخيرات معدة للجميع.
2-احترام حق الملكية الخاصة.
3-الوصية السابعة في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية (2401 – 2463)
يتكلم التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في ست نقاط عن ما يخص ويرتبط بالوصية السابعة. فيتكلم عن:
1-الخيرات الأرضية والملكية الخاصة.
2-واجب الأشخاص في احترام بعضهم وأموال كل منهم.
3-عقيدة الكنيسة الاجتماعية.
4-النشاط الاقتصادي والعدالة لاجتماعية.
5-العدالة والتضامن بين الأمم.
6-محبة الفقراء.
أتوقف عند أهم النقاط:
2402: في البدء أوكل الله الأرض ومواردها إلى إدارة مشتركة تضطلع بها البشرية
1-لتعتني بها.
2-تسيطر عليها.
3-تنعم بثمارها.
تملك الخيرات مشروع في سبيل ضمان حرية الأشخاص وكرامتهم ولمساعدة كل واحد على تأمين احتياجاته الأساسية واحتياجات من يعولهم.
2403: إن الحق في الملكية الخاصة المقتناة، أو المقبولة من الآخرين بطريقة عادلة لا يبطل إعطاء الأرض في الأصل للبشرية جمعاء.
2404: إن ملكية خير ما تجعل ممن يحوزه مديراً من قبل العناية الإلهية لاستثماره وإيصال حسناته إلى الغير، وأولاً إلى الأقارب.
من هنا واجباتنا تجاه الآخرين وأموالهم.
2407: ففي الموضوع الاقتصادي يقتضي احترام الكرامة الإنسانية وممارسة فضيلة القناعة للاعتدال في التمسك بخيرات هذا العالم وفضيلة العدل لصيانة حقوق القريب وإعطائه ما هو واجب له والتضامن بحسب القاعدة الذهبية، وجود الرب الذي هو الغني قد افتقر من أجلنا لكي نستغني بفقره.
للسرقة أنواع:
2409: كل طريقة لأخذ مال الغير دون حق والاحتفاظ به، هي مخالفة لوصية السابعة وإن لم تكن متعارضة مع أحكام الشريعة المدنية.
-الاحتفاظ عمداً بما أقرض من مال.
-الاحتفاظ عمداً بما وجد من أشياء ضائعة.
-الغش في التجارة.
-دفع أجور غير عادلة.
-رفع الأسعار اعتماداً على جهل الغير وعوزه.
-المضاربة المستعملة لتغيير تخمين الخيرات بأسلوب مصطنع لنيل فائدة على حساب الغير.
-الرشوة التي بها يُبدّل رأي مَنْ عليهم أن يتخذوا القرارات وفاقاً للحق.
-استملاك أموال عامة لمؤسسة واستعمالها للمصلحة الخاصة.
-الأشغال التي لم يحسن صنعها.
-الغش الضريبي.
-تزوير الشيكات والفواتير.
-المصاريف المفرطة والهدر.
2403: ليست ألعاب ( اللعب بالورق) أو المراهنات في ذاتها مخالفة للعدالة. وتصبح غير مقبولة من الوجهة الأخلاقية عندما تحرم الشخص ما هو ضروري له لتلبية حاجاته وحاجات الآخرين.
2414: تحظر الوصية السابعة الأعمال والمشاريع التي تؤدي، لأي سبب من الأسباب الأنانيةُ، أو الإيديولوجيةُ أو التجاريةُ أو التوتالتياريةُ، إلى استعباد الكائنات البشرية، وتجاهل كرامتها الشخصية وشرائها وبيعها ومقايضتها كأنها بضاعة.
النشاط الاقتصادي والعدالة الاجتماعية
2426: إن تطور الأنظمة الاجتماعية ونمو الإنتاج معدان لتلبية احتياجات الكائنات البشرية ولا تهدف الحياة الاقتصادية فقط إلى تكثير الخيرات المُنتجَة وزيادة الربح أو القدرة. إنها معدة أولاً لخدمة الأشخاص، الإنسان بكامله والجماعة البشرية بكلتيها.
العدالة و التضامن بين الأمم
2437: إن التفاوت في الموارد والوسائل الاقتصادية، على الصعيد الدولي، كبير بحيث يحدث بين الأمم " هوّة " حقيقية. فهناك من جهة من يملكون ويطوّرون وسائل النمو، ومن جهة أخرى من يركّمون الديون.
2439: على الأمم الغنية مسؤولية أخلاقية خطيرة تجاه تلك التي تعجز بنفسها عن تأمين وسائل تطورها، أو التي منعتها من ذلك أحداث تاريخية مأسوية.
محبّة الفقراء
2443: يبارك الله من يساعدون الفقراء ويرذل من يعرضون عنهم.
أعمال الرحمة: هي أعمال المحبة التي تساعد بها القريب في ضروراته الجسدية والروحية:التعليم والنصح –التعزية -تقوية العزم –المغفرة -الاحتمال بصبر -إطعام الجياع -إيواء من ليس لهم نزل -إكساء ذوي الثياب الرثة -زيارة السجناء -دفن الموتى.
واجبات المؤمن بما يخص الوصية السابعة
2410: لا بد من وفاء الوعود والتقيد الصارم بالعقود.
2411: تخضع العقود للعدالة التبادلية التي تنظم المبادلات بين الأشخاص وبين المؤسسات في احترام صحيح لحقوقهم.
2412: إن التعويض عن الظلم المرتكب يقتضي، استناداً إلى العدالة إعادة المال المسلوب إلى صاحبه. ( مثال زكّا العشار).
4ـ مشكلة العمل كواجب أخلاقي
كما لاحظنا أن الوصية السابعة هي وصية تخص السوء الذي بإمكاننا أن نلحقه بأملاك الآخرين أو حتى بمعطيات الطبيعة. وهي وصية خاصة تخص حق الإنسان في تحقيق حاجاته ومسؤوليته تجاه حقوق الآخرين. إن حاجات البشر تتحقق بعرق الجبين. لهذا فمسألة العمل مرتبطة ارتباطاً قوياً بمسألة العدالة الاجتماعية...
فمن لا يعمل لا يأكل...
2427: العمل الإنساني يأتي مباشرة من الأشخاص المخلوقين على صورة الله والمدعوين إلى أن يمددوا بعضهم مع بعض، وبعضهم لأجل بعض، عمل الخلق بالتسلط على الأرض. فالعمل إذن واجب. العمل يكرم مواهب الله والوزنات المعطاة.
2428: يمارس الإنسان ويتمم بالعمل جزءاً من الإمكانات الموجودة في طبيعته وقيمة العمل الأساسية مرتبطة بالإنسان نفسه الذي هو صاحب العمل وغايته لأن العمل هو لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل العمل.
أشكال العمل اليوم:
1-العمل المأجور أو العمل المهني: يكسب به الإنسان مالاً يسمح له بتأمين حاجات حياته.
2-المواظبة على التثقيف لاغنى عنها كي يصل الإنسان إلى عمل مأجور.
3-العمل مكرس للنشاط في وسط الأسرة.
4-العمل الخاص ( الهوايات، الاهتمامات...)
5-العمل الاجتماعي التطوعي
معنى العمل:
1-تدبير معيشة الإنسان.
2-يشق للإنسان طريقاً إلى نضوجه الشخصي.
البعد اللاهوتي للعمل:
إن روح الإنجيل والثقة بأن الله سوف ينجز ما نبدأه يهبان شجاعة التزام في العالم يحكمه الإيمان والرجاء والمحبة. أما السبب الموجب فينبغي البحث عنه:
1-في الإيمان بأن الإنسان يمكن أن يثق بمعنى الحرية التي وهبه إياها الله ألا وهي أن يكيف الأرض بعمله.
2-في الرجاء المؤمن بأن الله سيحقق تصميمه، الذي هو الخلاص بمؤازرة جميع الناس ذوي الإرادة الصالحة.
3-في الخبرة بأن الإنسان، عبر نشاطات تحكمها المحبة والعدالة يسهم في تعزيز التقدم الأرضي، وهكذا ينمي "خيرات الكرامة الإنسانية والشركة الأخوية والحرية".
تنظيم الملكية:
- يؤكد المبدأ الأول للعقيدة الاجتماعية الكاثوليكية في الملكية أن خيرات الأرض مخصصة للجميع. حق الملكية يخص كل إنسان كحق شخصي مكون للحرية. ليس لأحد الحق باستخدام الممتلكات، وحتى بإتلافها، دون أن يبالي بحاجات الناس الآخرين. فالملكية تحافظ على العلاقة مع المجتمع وتنطوي على التزامات اجتماعية وهي تحت وطأة ارتهان اجتماعي لا تمكن إزالته.
5 - خاتمة
يبقى موضوع الوصية السابعة مفتوحاً أمام أعيننا وأفكارنا لصعوبة مضمونه وارتباطه بعدة عناصر اجتماعية، اقتصادية، سياسية.إن مجتمعنا بنظري هو " ضحية" لسرقات ارتكبتها مجتمعات صناعية كبرى. وما يتكلم عنه التعليم المسيحي الكاثوليكي والكتب الأخرى المؤلَّفة في عدة بلدان أوربية تخص تلك البلدان وتذكر أنواع وخفايا الوصية السابعة في تلك المجتمعات.فما هي خفايا الوصية السابعة في مجتمعاتنا النامية...؟نحن بحاجة إلى دراسة عميقة من عدة زوايا اقتصادية واجتماعية وكنسية لاهوتية وأخلاقية تربوية فيما يتعلق بهذه الوصية.
ملحق1 ـ الحقيقة الاقتصادية وبشارة الإنجيل
ينبغي لكل عملية اقتصادية أن تهدف إلى:
1-التفكير بالإنسان وخير الفقير.
2-الخير الاجتماعي.
3-واجب دفع الضرائب بأمانة.
4-العدالة التوزيعية.
ملحق2ـ حالات اقتحام ملكية الآخر دون السرقة
1- في حالات الخطر كل شيء هو ملك للجميع. مثلا: أثناء الحرب اللجوء إلى بيوت متروكة، في حالة إسعاف: اقتحام الصيدلية.
2-الاستملاك من أجل الخير العام: هذا يتم عن طريق الدولة فقط. مثلاً في حالة وجوب بناء محطة قطار أو قلعة أو مركز عسكري( طبعاً نتكلم عن استملاك الأرض أو ما بني عليها لا عن محتوى البيوت.)
ملحق3ـ حالات شراء شيء مجهول المصدر
1-المالك على حسن نية: من يقتني شيئاً دون الشك بمصدره.
2-المالك مع الشك: من يشتري شيئاً يشك بمصدره وسعره المغري إنما يشتري مع المخاطرة بوجوب إعادة الشيء لصاحبه الأصلي.
3-من يشتري شيئاً بسعر مغرٍ مع العلم بمصدره المشكوك بأمره هو شريك السارق.
4 - من يجد شيئاً مع معرفة صاحبه ولا يرده هو سارق.
ملحق 4 ـ حالات وظواهر أو ظاهرات يجب التفكير في استقامتها وعدلها
1-تقصير المعلمين في تدريس المواد داخل القاعات الدراسية مما يجبر الطلاب على متابعة دروس تقوية خاصة.
2-حصة الأنثى من الإرث الأبوي.
3-أجور العمال عند أرباب العمل وعدم تسجيلهم في التأمينات الاجتماعية.
4-الاتفاقيات الضمنية بين الأطباء ومراكز التحليل ومراكز التصوير الإشعاعي، والمطالبة بفحوصات لا تستدعيها الحالة الصحية...
5-التصرف بأملاك الدولة خارج أوقات الدوام والساعات المخصصة لاستخدام هذه الأملاك
( كالسيارات ...).
خاتمة
لقد حاولت في حديثي هذا أن أُجْمِل تعليم الكنيسة الكاثوليكية فيما يتعلق بهذه الوصية الهامة ولست أدّعي بأنني قد أحطت بالموضوع من كل جوانبه في هذه العُجالة. وجُلّ ما أرجوه أن يكون هذا الموضوع دافعاً لكم أنتم المربين للمزيد من البحث والمطالعة
وصـايا الله العشر
لا تشهد بالزور
"الوصايا العشر"، ارتباط بالعهد:
نقرأ في سفر الخروج عن أهم حدث في تاريخ العبرانيين، وهو ما صنعه الله لهم، بخلاصهم وتحريرهم (خروجهم) من أرض مصر، أرض العبودية.وفي طريقهم إلى أرض الحرية، يتجلى الله لشعبه ليعرّفهم عن نفسه ويعقد معهم عهداً أبديا. وفي حدث التجلي هذا، وضع الكاتب الملهم "الوصايا العشر"، مع أن سياق النص لا يدل على أن إعطاء "الوصايا العشر" جرى بهذا الشكل (انظر بداية الفصل 20 من سفر الخروج). فلماذا؟وُضعت الوصايا العشر في هذا المكان بالذات، لأنها تُفهم أولاً في حدث الخروج، حدث الله التحريري الكبير في العهد القديم، وثانياً لأن الوصايا تتخذ كامل معانيها في صميم العهد. فبحسب الكتاب المقدس، يتخذ تصرف الإنسان الأخلاقي كامل معناه في العهد وبه. والوجود الأخلاقي هو جواب عن مبادرة الرب المُحِبة. إنها حمد وإجلال لله، وعبادة شكر، إنها مساهمة في ما لله من تدبير في التاريخ.
"الوصايا العشر"، حقوق الله المُحَرِّر على شعبه:
تتعلق الشريعة بوحي الله وإظهار نفسه: "أنا هو يهوه"، الذي في الوصايا وفي أعماله أظهر حقوقه على شعب إسرائيل. فتبدأ الوصايا العشر بمدخل: "أنا هو يهوه إلهك"، أعطى الله اسمه ليُعرَف. هذا المدخل يجعلنا نفهم بوضوح أن الوصايا التي تتبع ذلك هي كلها مرتبطة بكشف الله ووحيه لذاته. في خر6/2 وحي الله لاسمه إلى موسى ارتبط مع الوعد الذي سيحققه الله بتخليص الشعب من مصر.في الحقيقة، إن الطبيعة الحقيقية لله ستتضح لأول مرة في تدخله لصالح إسرائيل. عندما عَرَفَ إسرائيل اسم الله، فَهِمَ طبيعة عمل الله الخلاصي وفهم مشروعه الذي يريده لشعبه. إن وعده في الخلاص تحقق بشكل كامل. وتحرَّرَ شعب إسرائيل. إن وضع الصيغة في هذا المكان من القصة توضح خلفية هذا التاريخ من الخلاص لكن، وفي الوقت نفسه، ينظر إلى الأمام إلى مرحلة جديدة من العلاقات بين الله وشعبه. الصيغة تشكل مدخلا للوصايا لتوضح أنها تُفهَم كمشيئة الله الذي حرر شعبه من عبودية مصر. لقد عرّف الله نفسه بأنه الله المخلص، وتصرَّفَ مسبقاً بشكل طيب مع إسرائيل. فعطية الوصايا هي عطية الله نفسه ومشيئته القدوسة. والله يكشف عن نفسه لشعبه عندما يعرفه مشيئاته.هكذا فإن النعمة وإحسانات الله، الحب المسبق والحاضر، تستطيع حقيقةً أن تتحول إلى شريعة، وتَقيُّد، وطاعة.
"الوصايا العشر" كُلاً واحداً لخير الإنسانية:
تؤلف الوصايا العشر كلا لا يتجزأ. وكل "كلمة" (وصية) تُرجع إلى "كلمة" أخرى واليها جميعا؛ وهي مترابطة بعضها ببعض. واللوحان ينير أحدهما الاخر؛ وهما يؤلفان وحدة عضوية. ومخالفة أي وصية مخالفة لها كلها. فلا يمكن إكرام الآخرين دون مباركة الله خالقهم. ولا تمكن عبادة الله دون محبة جميع الناس خلائقه. إن الوصايا العشر توحد حياة الإنسان اللاهوتية-الروحية وحياته الاجتماعية.وتعلمنا، في الوقت ذاته، إنسانية الإنسان الحقيقية. إنها توضح الواجبات الأساسية، وبالتالي، بشكل غير مباشر، الحقوق الأساسية المتصلة بطبيعة الشخص البشري. فالوصايا العشر تحوي تعبيرا مميزا عن "الشريعة الطبيعية" الفطرية الموجودة في كل إنسان.لكن الوصايا العشر، وان كانت في متناول العقل، فقد أوحى الله بها. فالبشرية الخاطئة كانت بحاجة إلى هذا الوحي لتبلغ معرفة كاملة وأكيدة لمقتضيات الشريعة الطبيعية: "إن شرحا وافيا للوصايا العشر كان قد أضحى ضروريا في حالة الخطيئة، بسبب إظلام نور العقل وانحراف الإرادة".لأن الوصايا العشر تعبر عن واجبات الإنسان الأساسية تجاه الله وتجاه قريبه، فهي تبين في مضمونها الأولي واجبات خطيرة. إنها في جوهرها لا تقبل التغيير، وإلزامها ثابت أبدا وفي كل مكان. وليس في استطاعة أحد أن يعفى منها. لقد حفر الله الوصايا العشر في قلب كل كائن بشري، إنها صوت الضمير الأخلاقي. لذلك فالوصايا العشر هي طريق حياة: "إن أحببت إلهك، وسرت في طريقه، وحفظت وصاياه ورسومه وأحكامه، تحيَ وتكثر" (تث 5/15).
الوصية الثامنة، الكذب في المحكمة:
إن الشكل الأصلي للوصية يتكلم عن شهادة الزور في المحكمة وهو محفوظ في المقطع خر 20/16: "لا تشهد على قريبك شهادة زور". إنها تحوي مصطلحات تقنية قانونية تعطي بوضوح معناها الأساسي. إن تعبير (شهادة زور)، آتٍ من الخبرة القانونية في إسرائيل والتي كانت مشتركة في كل الشرق الأوسط القديم: شهادة ضد شهادة أمام محكمة من الشيوخ.إن الشاهد يمكن أن يكون صادقا (أمثال 14/25) ويمكن أن يكون كاذبا (خر 19/18؛ أمثال 6/19). أيضا تعبير (تجيب) يعكس محتوىً قانونياً ويؤكد تبادل المداخلات بين الطرفين المتخاصمين.نجد أنفسنا، إذاً، في محكمة والقاضي يستجوب الشهود. والرب يذكرهم أن لا يجيبوا ضد المتهم شهادة مزورة؛ وان لا يصنعوا هكذا تهمة زائفة (عدد 35/30؛ 21صم 12/3)، ربما مستعملين الأيمانات الكاذبة (لا 5/21-26).الكتاب المقدس يسمي هؤلاء الشهود بالكاذبين (خر 19/18)، وبالعنيفين (خر 19/16)، وبالمخادعين (أمثال 12/7؛ 14/5)، أبناء بليعار (1مل 21/10). انهم مغتصبوا الحق.
شعب العهد، لا يشهد كذباً:
بما أن القاضي، في الأرض التي أعطيت لهم من قبل الله، يجب أن يعمل "العدالة الدائمة"، لكي يبقى الشعب دوما مستأهلا لهذه العطية (خر 16/20)، فعليه أن يمنع مثل هؤلاء الشهود الدخول إلى المحكمة دون أن يُكشفوا، فلا يُعطى الحكم على أساس شهادة واحد فقط، لكن عليه أن يسأل اثنين أو ثلاثة، بحيث يضعهم بتناقض فيما بينهم لاكتشاف الزيف خصوصاً في الحكم بالموت (عدد 35/30؛ خر 19/15-21)، وعند اكتشاف الزور يجب أن لا يبقى شاهد الزور فيما بعد دون جزاء (أمثال 19/5؛ 21/28)، فيوضع المذنب، دون رحمة، إلى شريعة المِثْل، أي يجب التعامل معه مثلما تعامل مع قريبه "اصنعوا به ما فكر أن يفعله بأخيه" (خر 19/19). بينما نقرأ في شريعة حمورابي التي تقول إن شاهد الزور يجب أن يموت، وليس فقط أن يُصنع به ما أراد صنعه لأخيه.إن كثرة تَشَكّي صاحب المزامير (27/12) ضد اتهامات شهود الزور تؤكد انتشار هذه الخطيئة.
أخيراً، إن تعبير (القريب) يدل على المواطن الكامل الحرية في شعب العهد. والوصية موجهة أولا لتحفظ الحقوق الأساسية لأعضاء العهد ضد تهديد اتهامات زائفة. لذلك، الوصية الأساسية لا توضح منع عام عن الكذب، لكن تمنع الكذب عندما يصيب القريب مباشرة ويؤذيه.
الوصية بعدم الكذب إطلاقاً:
أما تعبير خر 5/20، فقد أصبح يعني "شهادة غير مفيدة، بلا أي قيمة" هذا ما يعمّم الوصية من المحكمة للشهادة، إلى الأمور الأكثر وساعية والأكثر روحية. انه يمنع ليس فقط شهادة الزور أمام القضاة، لكن أيضا تلك الغير مفيدة، أي التي بدون أي نتيجة قانونية، والتي يصدف أن تصير في العائلة، بين الأصدقاء، في سياق الأمور اليومية البسيطة: "لا تجيب (على السائلين) بشهادة فارغة ضد قريبك". إن شريعة العهد، في خر 23/1 يعبر عنها قائلا: "لا تنقل خبراً كاذبا" عملياً انه يحكم على الـ"يبدو"، والـ"ربما"، والـ"يقال"، والـ"هناك إشاعة تقول"، وهي أمور واردة كثيرا في أحاديث الناس. لذلك الحكيم سيقضي: "لا تشهد على قريبك بلا سبب" (أمثال 24/28).يقول مفسرٌ بهذا الشأن: وُجدَ الكذب "منذ خبث يعقوب (تك 25-30) إلى الأعاجيب الزائفة للملحد الآتي (2تس 2/9)، مرورا بكلمات مجموعة الأنبياء الكذبة (أش 3/2؛ ميخا 3/5-12) وكثير من الكذبة الذين يتشكى منهم أصحاب المزامير والحكماء، فان تاريخ الكتاب المقدس يظهر أمثلة كثيرة من نقص الصدق بين البشر، وفي ما بين شعب الله نفسه. انه شر كبير يمكن أن ينسف أساسات العهد نفسه وهي الأمانة والصدق. فالكذب ليس خداع على مستوى الفكر فقط؛ انه عمل، انه تهرب، رفض الالتزام في طرق الصدق والرضى، إنها لذلك جحود وكفر في عمقها".والله يكره اللسان الكاذب، هذا الشاهد المخادع (أمثال 6/17). لأنها ضد المحكمة البشرية والإلهية، إنها احتيال ضد العدل البشري والعدل الإلهي (لا 5/21). تنهى الوصية التاسعة عن تمويه الحقيقة في العلاقات بالغير. وهذه الفريضة الأخلاقية ناتجة من دعوة الشعب البار إلى أن يكون شاهدا لإلهه الذي هو الحقيقة ويريد الحقيقة. تعبر انتهاكات الحقيقة بالأقوال أو الأفعال عن رفض الالتزام بالاستقامة الأخلاقية. إنها خيانات للرب أساسية، وبهذا المعنى، إنها تقوض العهد من أساسهأخلاقيا هذه الوصية تحكم على الكذب الذي يبدأ من المحكمة إلى البيوت وهي تنسف استقامة الإنسان البريء.
المسيحي يعيش في الحق، بأقواله وأفعاله:
يؤكد العهد القديم أن الله هو مصدر كل حق. وكلامه حق. وشريعته حق. "أمانته إلى جيل فجيل" (مز 119/90.وبما أن الله هو "الصادق" (رو 3/4)، فأعضاء شعبه مدعوون إلى أن يعيشوا في الحق.في يسوع المسيح ظهرت حقيقة الله كاملة. انه الممتلئ نعمة وحقا، انه "نور العالم" (يو 8/12)، انه الحق. كل من يؤمن به لا يمكث في الظلام. وتلميذ يسوع يلبث في كلامه ليعرف الحق الذي يحرر ويقدس. اتِّباع يسوع هو العيش بروح الحق الذي يرسله الآب باسمه، والذي يقود إلى "الحقيقة كلها" (يو 16/13). وقد علّم يسوع تلاميذه محبة الحقيقة على الإطلاق: "ليكن كلامكم: نعم؟ نعم؛ لا؟ لا" (متى 5/37). يَقبل تلميذ المسيح "بالعيش في الحق"، أي في بساطة حياة، تتوافق ومثل الرب، وتبقى في حقيقته: "فان نحن قلنا: إن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة، فإنَّا نكذب ولا نعمل بالحق" (1يو 1/6). إن واجب المسيحيين في المساهمة في حياة الكنيسة يدخلهم إلى السلوك كشهود للإنجيل وللالتزامات التي تنتج من ذلك. وهذه الشهادة هي نقل الإيمان بالأقوال والأفعال.إن تلاميذ المسيح "قد لبسوا الإنسان الجديد الذي خُلِقَ على مثال الله في البر وقداسة الحق" (أف 4/24). "لقد نبذوا الكذب" (أف 4/25)، وعليهم أن يطرحوا كل خبث وكل مكر، وكل أشكال الرئاء والحسد والاغتياب" (1بط 2/1.يتلبَّس الكلام المخالف للحقيقة، عندما يصدر علنا، خطورة خاصة. وهو يصبح أمام المحكمة شهادة زور. وعندما يُسنَد بقسم يصبح حِنثا. وهذه الأنماط في السلوك تساهم إما في الحكم على بريء، وإما في تبرئة مذنب، وإما في زيادة في الحكم الذي يصدره القضاة.احترام سمعة الأشخاص يمنع من كل موقف وكل كلام يمكن أن يسبب لهم ضررا دون حق. يكون مذنبا: -بحكم جائر من يرضى ولو صامتا بحقيقة وجود نقيصة أخلاقية عند القريب دون أساس كاف. -بالنميمة من يكشف عيوب الغير وذنوبه لأشخاص يجهلونها، دون سبب قائم موضوعيا. -بالافتراء من يسيء إلى سمعة الآخرين، بكلام مخالف للحقيقة، ويفسح في المجال لأحكام كاذبة عليهم.النميمة والافتراء يهدمان سمعة القريب وشرفه. والشرف هو الشهادة الاجتماعية التي تؤدى للكرامة البشرية، وكل إنسان له حق طبيعي في شرف اسمه، وفي سمعته، وفي الاحترام. وهكذا تسيء النميمة والافتراء إلى فضيلتي العدل والمحبة.
المسيحي لا يكذب، ولا يسمع للكاذبين:
"الكذب هو قول ما ليس صحيحا بنية الخداع". والرب يشجب في الكذب عملا من أعمال الشيطان: "إن أباكم إبليس (...). انه لا حق فيه: فإذا ما نطق بالكذب، فإنما يتكلم بما عنده، لأنه كذوب وأبو الكذب" (يو 8/44).الكذب هو انتهاك الحقيقة بالوجه الأشد مباشرة. والكذب هو القول أو الفعل خلافا للحقيقة للتضليل. والكذب، بإساءته إلى علاقة الإنسان بالحقيقة وبالقريب، ينتهك علاقة الإنسان وكلامه الأساسية بالرب. تقاس جسامة الكذب بطبيعة الحقيقة التي يشوهها، وظروف من يرتكبه ونياته، والأضرار اللاحقة بضحاياه. وإذا كان الكذب في حد ذاته خطيئة خفيفة، فهو يصبح مميتا عندما يلحق أذىً كبيراً بفضيلتي العدل والمحبة. يستدعي الكذب بطبيعته الحكم عليه. فهو تدنيس للكلام الذي مهمته إبلاغ الآخرين الحقيقة المعروفة. والقصد المتعمد لتضليل القريب بأقوال مخالفة للحقيقة هو إساءة إلى العدل والمحبة. وتكون المسؤولية اكبر عندما يكون هناك خطر في أن نية الخداع تؤدي إلى نتائج وخيمة بالنسبة إلى من يصرفون عن الحقيقة. الكذب (بكونه انتهاكا لفضيلة الصدق)، هو عنف حقيقي على الغير. انه يصيبه في إمكانياته بلوغ المعرفة التي هي شرط كل حكم وكل قرار. وهو يحتوي بذار انقسام العقول وكل الشرور التي يسببها. والكذب مضر بكل مجتمع. فهو يهدم الثقة بين الناس، ويمزق نسيج العلائق الاجتماعية.
الخاتمة:
لقد طبع الله عهده في قلوب وضمائر البشر جميعهم عندما أظهر لهم ذاته وارتبط بهم. وعيش الأخلاق المسيحية لا يكون خوفاً ولا جبراً من سلطة عليا أو تنفيذاً لأوامر وقوانين، بل هو فعل محبة وعبادة وشكر لله على عطاياه، يعيش المؤمن حياةً أخلاقية صالحة كردٍ على مبادرات الله المحب، ولا يستطيع الإنسان أن يخرج عن عهد الرب ووصاياه ويحيا، أو أن يُعتبر إنساناً مؤمناً.جاء المسيح المخلص ولم ينقض العهد الأول بل كمّله بموته على الصليب موقّعاً بدمه عهداً جديداً مع شعبه تكون فيه الوصية أن يحب الإنسان الله من كل قلبه وكل نفسه وكل ذهنه. وان يحب القريب كنفسه (متى 22/37-40)، يقول يوحنا البشير: "نحن نعلم أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب اخوتنا. من لا يحب بقي رهن الموت" (1يو 3/14).لذلك لا يؤذي الإنسان أخاه بتشويه الحقيقة وبالكذب عليه، وخاصة المسيحي الذي يقول الحقيقة ويعيشها ويعلّمها بكلامه وأفعاله ولا يكذب. لأن المحبة تفترض حتما وجود الصدق في أساس التعامل بين الاخوة وفي المحاكم.هكذا تبني أفعال المسيحي الأخلاقية المؤسسة على حفظ وصايا الله، روحه ومجتمعه. مجتمعه الذي يحتاج دوما لأناس يعيشون عهد الله ويحفظونه في حياتهم. ليحيا بهم مجتمعهم ويرتفع إلى الإنسانية-الإلهية التي أراد الرب بتجسده، أن يمنحها للإنسان أفراد ومجتمعات.
المراجع
- Emmanuele TESTA, La morale dell`Antico Testamento, Morcelliana, Brescia 1981, pp. 98-100.
- Brevard S. CHILDS, Il libro dell'Esodo, commentario critico-teologico, Piemme theologica, Casale Monferrato 1995, pp. 433-434.التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية"، المكتبة البولسية - منشورات الرسل، جونية 1999، أنظر: الوصايا العشر.
وصـايا الله العشر
لا تزن – لا تشته امرأة قريبك
أنا هو الرب إلهك الذي يهبك الحياة والمصير
يريد الله منا أن نحفظ الأمانة في الحب والزواج
ملاحظة: هذه الحديث هو النص المضغوط للفصل السادس من كتاب المسيحية في أخلاقياتها"
للذهاب إلى أبعد: العودة إلى الكتاب وإلى كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية.
مقـدمة
"الله محبة. وهو يحيا في ذاته سر اتحاد ومحبة. والله بخلقه إنسانية الرجل والمرأة على صورته (…) قد وضع فيها الدعوة إلى المحبة والاتحاد وبالتالي الإمكانية والمسؤولية المناسبتين" (ش.ع11).يؤثر الجنس في جميع وجوه الشخص البشري ضمن وحدة جسده ونفسه. وهذا يتعلق خصوصاً بالانفعالات العاطفية، بإمكانية الحب والإنجاب، وبوجه عام بإمكانية عقد روابط اتحاد بالآخرين وبوعود إلى كل من الرجل والمرأة أن يعترف بهويته الجنسية ويتقبلها. فالخلاف والتكامل موجهان إلى خير الزواج وتفتح الحياة العيلية. وإن الله بخلقه الكائن البشري مح الكرامة الشخصية على حد سواء للرجل والمرأة وكل من الجنسين هو صورة لقدرة الله وحنانه بكرامة متساوية. وجاء يسوع ليعيد الخلق إلى صفاء أصوله وفي عظته على الجبل يشرح فكر الله: "سمعتم أنه قيل لا تزنِ. أما أنا فأقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه" (متى5/27-28). لقد فهم تقاليد الكنيسة أن الوصية السادسة تتناول كل وجوه الجنس البشري.
1- الاستمرارية والتحول في فهم الجنس والزواج
إن الوصيتين السادسة (لا تزن) والتاسعة (لا تشته امرأة قريبك)، توجهان انتباهنا إلى الحدود والأطر التي خارجاً عنها لا يثبت النظام الأخلاقي للجنس وللعلاقة بين الرجل والمرأة والمقصود منها مواقف وطرق سلوك تستند إلى الزواج على أنه مؤسسة ضمن المجتمع، للوصيتين معنى عميق بالنسبة للتوجه الأخلاقي لكلا الجنسين وفي العهد الجديد ثبت النظام الذي وضعه الله. ففي الزواج ينعم الرجل والمرأة بالكرامة عينها أمام الله وفيه هما متحدان بالأمانة ويختبران معاً نعمة الله ومعونته. ورباط الحب والأمانة المتبادل يقصي كل علاقة جنسية وكل تصرف في ميدان الجنس لا يتطابقان مع الأهداف الشاملة للحياة الجنسية الإنسانية. هذه الرؤية المسيحية تتعرض في مجتمعنا إلى انتقادات شتى، فالزواج لم يعد مرجع الحياة المشتركة بين الرجل والمرأة. (فهناك العلاقة الجنسية قبل الزواج، وزواج التجربة، والزواج من دون شهادة زوجية.)، إلى حد أننا نصادف مواقف رافضة لتوجيهات الكنيسة الأخلاقية الجنسية والزوجية، ويرفض البعض تعليم الكنيسة الأخلاقي بسبب ما اتسم به في الماضي من تركيز على الوصية السادسة؛ فروحانية المحبة والرحمة كانت في أغلب الأحيان غائبة. وتقوم مهمة الكنيسة اليوم أن تعلن تعليماً عن العلاقة بين الزوجين تستوحيه من روح الإنجيل، تظهر فيه الأخلاق الجنسية والزوجية أخلاقاً صالحة للإنسان، عليها أن تساعده على اكتشاف القيم المحفورة في معنى الجنس الإنساني؛ والتي يتم التعبير عنها فيه.
2- معنى الجنس الإنساني
1 - المعنى الشخصي للجنس:
يحمل الإنسان السمة الجنسية في كل ذاته جسماً ونفساً. ولكي يكون الإنسان ذاته، ينبغي له أن يقبل بالسمة الجنسية التي تطبع كيانه الفردي. فالجنس حقيقته مكوّنة الإنسان في كليته الرجل والمرأة موجهان إحداهما للآخر، يحب أحدهما الآخر وبجعلهما الحب واحداً، إذ أن الرجل والمرأة يلتقيان كشخصين في الحب؛ إن تكوين هذه العلاقة ونضجها يعبر عنهما بطريقة جسدية، وينبغي للرجل والمرأة أن يعطياها شكلاً ذا معنى.والخط يكمن في أن يكتفي الإنسان بذاته فيهُمل ما هو شخصي وما هو علاقة بالآخر.في الجنس سعادة واكتمال، ولكن فيه أيضاً سلطان الشهوة والأنانية المدمرة والشعور بالذنب والتعسف الذي تعانيه المرأة من قيل الرجل ويعانيه الرجل من قِبل المرأة، والاستغلال الشائك والإساءات الجنسية. من هنا أهمية أن ينظم الإنسان حياته الجنسية الخاصة على قاعدة المحبة (محبة الله والقريب والذات)؛ وعلى احترام الدائرة الجنسية الحميمة لدى الذات ولدى الآخر. الكائن نفسه وحده قادر على معرفة الحشمة والشعور بها. ومن أجل تنظيم صحيح للجنس لابد من قدرة على التمييز بين الخير والشر وتيقظ الروح؛ وتنظيم الحياة الجنسية بطريقة شخصية هو ثقة الإنسان بذاته وبوضعه الجسدي.وما نعرفه عن كرامة الحياة الجنسية وقيمتها، عن عطيتها ومهمتها، عن السعادة التي تمنحها وعن وهنها، إنما ينجم كله عن اختبارنا وتفكيرنا. في الإيمان بالله، نرى في الحياة الجنسية أن الإنسانية هبة وعطية من حب الله.
2- الحب والأمانة إلى الأبد والزواج الذي لا يُفسح:
ما من أحد يستطيع العيش من دون حب، فالإنسان يبقى أمام ذاته كائناً غامضاً، وحياته لا معنى لها إن لم يتجلّ له الحب. والإنسان يعبر عن الحب بالانجذاب بالإعجاب والفرح والكرامة وأخيراً بالنَعَم التي نقولها للآخر الذي نحبه من أجل ذاته. ويكتمل الحب الزوجي في الأمانة مدى الحياة. ففيها يتحقق العطف والالتزام والتضامن فإذا تحقق العيش لهذه الأمانة، يساعد الزواج على رؤية تجلي محبة الله. إن يسوع قد بشرّ وطالب بحب يشمل الإنسان كله وتكون قاعدته محبة الله. ويتضمن مطلب المحبة الأساسي الذي تحد عنه يسوع، الحب الجنسي أيضاً؛ وإن لم يتكلم عن الحب الجنسي بوجه صريح؛ إلا أننا يمكننا افتراضه من خلال تقديره الكبير للزواج، ويربطه يسوع بعمل الخلق الذي قام به الآب.في عرف الإيمان الكاثوليكي. الزواج المبني على السر هو عهد يُظهر بطريقة خاصة حب يسوع المسيح لكنيسته. لذا لا يُفهم الزواج ولا يُعاش كسِرّ إلا من خلال هذا السر وحده. إنه طريقة لاتباع المسيح. تؤكد الكنيسة طابع السر الذي لا ينحل ورسالته التي ترينا في الخليقة التي بدأت مع يسوع إن الدعوة إلى الأمانة في الجماعة الزوجية لا تتجزأ ولا تنقطع تفسح في المجال لإمكانية حياة يشهد فيها الأزواج بأمانة أحدهم للآخر لأمانة المسيح لكنيسته.الزواج المسيحي سر يتم فيه الاتحاد الزوجي، لا يُفسد لا من قبل الأزواج أنفسهم (لا انحلالية الزواج الداخلية) ولا أن يُلغى من قبل أي سلطان مهما كان (لا انحلالية الزواج الخارجية) كل فشل في الزواج هو أليم للمعنيين به ويخلف وراءه جروحا وعواقب اجتماعية وخيمة. هناك أزواج تركهم شريكهم والبعض الآخر أبعدتهم الحياة فلم يعد ممكناً المصالحة. ويتضح للبعض الآخر أن الزواج الذي عقداه لم يكن زواجاً صحيحاً… ومنهم ابتعد كلياً عن الكنيسة، ومنهم من طلّق وتزوج زواجاً مدنياً. وبحسب النظام السائد في الكنيسة لا يمكن أن يُقبل لتناول الأسرار هؤلاء المطلقون.والكنيسة على بينة من ألم الكثيرين من الأشخاص وتتألم معهم، وتسعى من خلال الخدمة الراعوية واللاهوت إلى مساعدتهم بطريقة تتوافق مع وصية يسوع حول الأمانة النهائية في الزواج. إن الزنى قد عُدّ في الكنيسة منذ البداية طعناً خطيراً بنـزاهة الزواج الأخلاقية، وقد أدرجه التقليد المسيحي ضمن الخطايا الجسيمة مع الجحود والقتل، ويكون للزنى في أغلب الأحيان قصة خلفية: فقدان الحوار… إدارة غير كافية للصراعات… تهامل في انتباه الواحد للآخر، عدم الاكتفاء الجنسي داخل الزواج… موقف المحيط من الجنس والأمانة الزوجية… تنافر عيلي… ضغوطات اجتماعية ومهنية. إن الزوج الذي يكتشف الآخر قد زنى، يشعر غالياً بإهانة جسيمة وبضربة للأمانة الزوجية… من هذا المنطلق، يكون الزنى خطأ جسيماً ضد الحب والأمانة الزوجية، وضد رباط الزواج وضد سر حب المسيح.منذ البداية رفضت الكنيسة الحرية الجنسية ومعاشرة المومسات والخيانة الزوجية، على أنها أعمال محظورة أخلاقياً، بل هي ظلم حقيقي فالأمانة في الزواج تتعارض مع ما يسمى "بالزواج المنفتح" الذي يقر به الزوجان أحدهما للآخر بحق إقامة علاقات جنسية خارج الزواج فحرية كهذه هي علاقة احتقار لكرامة الشخص البشري تؤدي إلى إذلال متبادل وفسخ للزواج. ففي الزواج الأسراري يحصل الأزواج المسيحيون على قوة الثبات في عهدهم وأمانتهم، في عهد محفور في محبة الله لكنيسته وأمانته لها.
3 - المساواة في الحقوق، الشراكة والمؤسسة:
الحب يوحد الشريكين ويضعهما في المرتبة ذاتها ويقرّ لهما بالقيمة ذاتها تكتمل رؤية الزواج كمؤسسة هدفها الإنجاب وتربية الأجيال. إلا أن هذا الاعتراف بأن المرأة تنعم بالمرتبة نفسها والقيمة نفسها وخصوصاً بالحقوق نفسها، لم يفرض ذاته بعد في العالم كله. لقد أوضح المسيح بتصرفه كرامة المرأة وقيمتها المساوية للرجل وفي تصريحاته عن الزواج ولا سيما في كلامه عن تحريم الطلاق كان أول موقف واضح من كرامة المرأة. ويشدد على أن المرأة ليست ملكاً يخص الرجل وأن الرجل ملزم بالأمانة على غرار المرأة. وبهذا أثبت مطلباً أخلاقياً يرمي إلى تحقيق مطلب الحب في العلاقات بين الزوجين. إن مثل حب المسيح للكنيسة وخدمته لها كان من شأنه أن يبدّل موقف الرجل من المرأة، ليصير حباً يعطي ذاته بدلاً من ممارسة سلطة تحمل طابع الزعامة الأبوية، لا شك أن الفكرة السامية عن الزواج الموسعة في رسالة أفسس (5/21…) مثالاً يتعّذر بلوغه في هذا العالم، إلا أنها تكشف رؤية تدل على أن الحب والأمانة ممكنان في الزواج.إن المرأة حتى اليوم لا تنعم دوماً بهذا الاعتبار وهذا الاحترام اللذين هما حق لهاز للرجل والمرأة القيمة نفسها إلا أنهما لا يتماهيان. فكل من يظن أن المساواة في القيمة ينتج عنها أنه يجب على المرأة أن تشبه الرجل في كل شيء، يجعل خطأ من الرجل مقياساً للإنسانية. الإنسانية الحقيقية تقتضي أن يكون الرجل رجلاً كلياً والمرأة امرأة كلياً، وأن يكمل أحدهما الآخر.الجماعة الزوجية تدرك اليوم كشكل إنساني للزواج، أن الزواج بين شريكين يعيشه الزوجان كمكان خاص للاهتمام الشخصي والآخر والثقة والأمانة منفتح على كل مسؤول للحياة. ويتطلب الزواج اليوم "الكثير من قدرة الأزواج على الحب ومن نزاهتهم الواحد تجاه الآخر، ومن قدرتهم على النضج خلال المراحل المختلفة من الحياة الإنسانية، ومن استعداهم لحل صراعاتهم"إن الصعوبات والصراعات داخل الزواج يعود سببها جزئياً إلى ظروف حياتية موضوعية؛ وجزئياً إلى أخطاء ذاتية في التقويم، وكثيراً ما يكون سببها أيضاً تصرفات هي نتيجة الخطيئة، فالطلاق يجر وراءه آلاماً عن الأولاد إذ يبقون "أولاد مطلقين"؛ وجروحات عند الشريكين.
ماذا يقول الاختبار الإنساني والإيمان المسيحي ؟
- إنّ جماعة الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة هي الجماعة الأكثر وداً بين البشر، تتضمن العفوية والانفعال والثبات والديمومة. وفي القبول المتبادل يتبادل الزوجان قبول الحياة معاً والزواج والعيلة والأولاد معاً في السراء والضراء .
- الوعد الزوجي الصريح هو فعل التزام يقوم به الشريكان. وهو يحرر من كل تصرف اعتباطي ومن كل المواقف المتقلبة، ولا يني يشير إلى ما يوحدهما.
-الجماعة الحميمة المكونة من الشريكين هي دوماً جماعة مسؤولة أمام المجتمع، لذلك فالوعد العلني هو على نحو ما تثبيت لصدق إرادة الارتباط ارتباطاً دائماً؛ ويتضمن هذا الوعد العلاقات الشخصية العامة، إنه حماية واعتراف، مساندة وشهادة. ودون هذا الوعد العلني الثقة تضحي في خطر دائم.
-النظم الناجمة عن المؤسسة لا تنفي وجود الصراعات والأزمات في العلاقات بين الشريكين، إنها تمثل تحريضاً ودعوة للزوجين كي يبقيا أمينين للرضى وأن يسند الواحد الآخر. والزوجان بارتباط أحدهما بالآخر، يتخلّيان عن الامتيازات التي يعتقدان أنهما يمتلكانها، فيساعد أحدهما الآخر، ضمن مسؤولية مشتركة أمام الله.
وهكذا يستطيع الزواج المسيحي أن يكون المكان الحي لتوافق الزوجين، ومهما تكن الصعوبات التي تواجه الزواج، غير أنه يبقى منفتحاً على حياة مشتركة في الإيمان والرجاء والمحبة.
3- أسئلة حول الجنس قبل الزواج وبعده
1 - الانتعاش الشخصي للحياة الجنسية الخاصة
إن مهمة تنظيم الحياة الجنسية الخاصة في انتعاش الشخص هي مسيرة تمتد على طول الحياة، وتتضمن هذه المسيرة جهوداً ومصاعب من بينها، نشهد أشكالاً من السلوك الجنسي لا تتطابق مع المعنى الكامل للحياة الجنسية الإنسانية. وأحد هذه الأشكال الاستنماء (العادة السرية).تلاحظ الإثارة الجنسية، من وقت لآخر، منذ الطفولة الأولى وليس لها أية علاقة بالموقف الجنسي غير الطبيعي، ومن ثم لا ينبغي أن تكون موضوع تهديد أو عقاب من قبل الوالدين أو المربين. في المراهقة قد يستسلم البعض للنزوة الجنسية وبعض الأحيان تقود الحشرية إلى اختبار القوة الجنسية الناشئة، والعزلة والفشل والإثارة من محيط مشبع بالجنس والرغبة في الاكتمال كلها فرص للاستمناء.هذه الحالات تدل على أن صهر الحياة الجنسية في الشخصية لم ينجح كلياً بعد. فقد يعبر الاستنماء عن نقص في النضج أو علاقة نرجسية مع الذات وقد يؤدي إلى تصرف أخلاقي شاذ.من الممكن أن يلجأ البالغون إلى الاستمناء من جراء ظروف خارجية كالمرض والعزلة وغياب الشريك وهذا أيضاً تعبير عن انطواء عن الذات.لمعرفة ما إذا كان الاستمناء يشكل ذنباً وهو إلى أي حد هو ذنب، يجب النظر إلى درجة الوعي والحرية التي يتضمنها كل مرة. المسألة الحاسمة هي أن نعرف إن كان هناك إرادة تسعى إلى تربية الحياة الجنسية أم أننا أمام انطواء مذنب على الذات.
2 - العلاقات الجنسية قبل الزواج
كل طرق اللقاءات بين الجنسين (مدرسة، عمل، لعب، رقص، عطل…) يحتل عامل الفتنة والتوتر الجنسيين محلاً كبيراً وقد تقود هذه اللقاءات إلى علاقات جنسية وتعلم الكنيسة الكاثوليكية بالانسجام مع التقليد المسيحي، إن الزواج هو الموضع المناسب للتعبير عن الجنس والاندماج الجنسي. إن الفترة التي تسبق الزواج ينبغي للأشخاص أن يبحثوا عما إذا كان باستطاعتهم أن يتفقوا معاً عن مفاهيمهم ومصالحهم الحياتية، ويجب على كل منهما أن يتمكّنا من استرجاع حريته إذا تبين له أن الشروط من أجل زواج ناجح غير متوفرة كثبراً ما نسمع بأن على المرء أن يجرب قبل الزواج إذا كان يتفق مع الآخر من الناحية الجنسية هذا المفهوم يجهل أن الزواج نفسه ونجاح الحياة الجنسية في الزواج يشكلان مسيرة فيها الفرح والحزن العسر والإخفاق… إن امتحان الحياة الجنسية لا يعطي أية ضمانة و لا أي يقين من نجاح الزواج في المستقبل. فإن العلاقات الجنسية المبكرة من شأنها أن تقود إلى أن يخدع الواحد الآخر في علاقاتهما الحقيقية،بحيث أن خيبتهما تكون أكبر في الزواج.من المهم أن يفهم اللذان يحب إحداهما الآخر أن الطريق التي تقود إلى الزواج ويعيشاها كمسيرة بالغة الأهمية على الصعيد الإنساني والأخلاقي والديني تفترض أشكالا كثيرة من اللقاءات. قبل الشركة الجنسية الكاملة هناك طيف واسع من العلاقات الجنسية تتفرع فيها كثافة التعبير وأشكاله متعددة. إلا أن الحدود الضرورية يمكن احترامها إلا ضمن جهد رصين في السيطرة على الذات وفي احترام الشريك.
3 - المساكنة خارج الزواج
تظهر المساكنة بأشكال مختلفة: العيش معاً لفترة من الزمن العيش مع تفكير في زواج لاحق، المساكنة كبدل عن الزواج، فهؤلاء يرفضون الزواج كمؤسسة، وهناك حوافز مختلفة للمساكنة فالبعض يخافون من الارتباط، والبعض الآخر بسبب الطلاق المتزايد أو من ضعف ثقتهم بالزواج وتأثراً بالرأي القائل بعدم ضرورة وثيقة الزواج للعيش معاً.من الناحية الموضوعية ينقص هذه المساكنات الحياتية عناصر ثلاثة:
• العزم والقدرة على اتخاذ قرار واضح.
• شهادة المجتمع لقصدهما الارتباط في الأمانة ارتباطاً دائماً.
• حماية الجماعة القانونية التي لابد منها للجماعة الزوجية والمجتمع أضف إلى ذلك أنه قد يشعر شخص ما بالخيبة، إذا فهم أن الآخر لا يقاسمه حياته إلا طالما كان ذلك مفيداً له. فالمسيحيون الذين يعيشون في المساكنة خارج الزواج ويرفضون الزواج من حيث المبدأ يستخفون بمعناه الديني ويحرمون مساكنتهم من عطية نعمة السر التي تُمنح في الزواج. ولا تستطيع الكنيسة أن توافق على مثل هذه المساكنات بيد أنها تريد أن تبقى في حوار مع الأشخاص الذين يعيشون المساكنات خارج الزواج وأن تحافظ على الرباط معهم؛ وعلى الكهنة أن يجتهدوا بفطنة ورزانة في الحفاظ على الاتصال معهم وأن يسعوا إلى معرفة أسباب اختيارهم وأن يحثوهم قدر المستطاع على تنظيم وضعهم. كما ينبغي لتربية الشبان الدينية والأخلاقية أن تنقل إليهم معنى الأمانة هذا، الذي من دونه لا وجود للحرية الحقيقية.
4 - العلاقات اللواطيّة
اللواط ظاهرة متشعبة الأبعاد فهناك اللواط المرتبط بالتطور عندما تحدث أعمال لواطية في سن المراهقة، ويعد لواطاً مرتبطاً بالظروف، يزول متى صارت التصالات مع شركاء من الجنس الآخر ممكنة. وهناك تصرف لواطي هو الحياة الجنسية المزدوجة مع شركاء من الجنس نفسه، وهناك أخيراً اللواط الحصري الحقيقي المبني على ميل عميق يحمل الشخص اللواطي وبصورة دائمة إلى أشخاص من ذات الجنس؛ يصل هذا اللواط الكامل إلى العيش المشترك في المساكنة التي تدوم بعض الوقت.ومهما يكن، فمن الناحية الأخلاقية، ليست مسؤولية الشخص اللواطي عن أفعاله اللواطية أقل من مسؤولية الشخص الذي يميل إلى الجنس الآخر. وبالمقارنة مع الميل إلى الجنس الآخر. يتضمن اللواط بعض الحدود. فالأفعال اللواطية تقصي من حيث المبدأ الانسجام الحقيقي لثنائية الجنسية وإنجاب أي نسل؛ من هنا يشعر اللواطي بميله كأنه شخص مختلف.من المهم لهؤلاء الأشخاص، على الصعيد الأخلاقي، أن يجتهدوا أن لا يقعوا فريسة حياتهم الجنسية، وأن يوجهوها نحو قيم وأهداف إنسانية، وأن يحترموا كرامتهم كأشخاص وأن يتجنبوا أن يكون مسلكهم سبب عثرة أو إغراء للآخرين. والجميع مدعوون، في المجتمع، إلى التحلي بروح التفهم حيال الأشخاص الذين عندهم استعدادات لواطية.
5 - إباحية الجنس وتصويره
إن تسليم الجسد إلى البغاء وتصوير تصرفات غير محتشمة في الإباحية هي من أقدم أشكال الانحراف الجنسي, البغاء هو إقامة خدمة جنسية لقاء أجر. يُوهب الجسد من دون أي تعبير عن الحب ومن دون السعي إلى علاقة إنسانية أكثر عمقاً. قد ينجم البغاء عن الفقر أو عن تبعية مشينة أو عن عدم الشعور بالأمان والطمأنينة؛ والبغاء يسيء إلى كرامة الشخص بذاته ويذل الوقت عينه شريكه الجنسي، في البغاء تتحد الأجساد منفصلة عما ينبغي أن تعبر عنه أي الحب والأمانة فلذلك البغاء هو عمل لا أخلاقي ومناقض للاحترام المسيحي للجسد.الإباحية تعني وصف الوقائع الفاحشة أو تصويرها وهذا منافي للقيم الإنسانية المقبولة عامة. وتضحي المرأة فيها موضوع إغراء للرجل، حيث لا يُعار الاعتبار إلا للشباب والصحة والجمال الخارجي والقوة الجنسية. وغالباً ما تعرض صور ومشاهد تنتهك حرمة الدائرة الحميمة من حياة الإنسان إن خطر الإباحية يكمن في نقل مفهوم للكائن الإنساني يحتقر كرامة الإنسان ومسؤوليته. وهذه تهدد الشباب بوجه خاص.
خاتمة
لا تتطلب أخلاقية الحياة الجنسية مراعاة عدد من القواعد الأخلاقية وحسب، بل تفترض اعتباراً للذات وللآخر يحترم كيان الإنسان. المقصود في كل هذا هو أن يعي الإنسان مسؤوليته ويكون على استعداد لمراقبة ذاته والثبات والأمانة. يعلم المسيحي أنه بحاجة إلى المجتمع والكنيسة ليزوّداه بمرجع للقيم والتوجيهات التي يمكنها أن تساعده على تكوين حكم شخصي. وفق ذلك كله، يعرف الصلاة وقدرة نعمة الله ليعطي حياته، بوجه مسؤول شكلاً في مجال الجنس.
وصـايا الله العشر
لا تشتهِ مقتنى غيرك
في بداية حديثي سوف أنوه إلى الإطار التاريخي والجغرافي والاجتماعي للنص في العهد القديم ثم انتقل إلى تحديد بعض المفاهيم المتعلقة بالوصية : الشهوة الصالحة والشهوة الدنيئة ومن ثم الرغبة والتوق في معاينة الله ثم أنتقل إلى تحديد مقتنى الغير، ومن ثم أتكلم عن نقاء القلب أصل كل رغبة وشهوة. ثم أستعرض ثلاثة وجوه من عصرنا.
خروج 20 : 2-17 تثنية الإشتراع 5 : 21 الصيغة التعليمية (1)
لا تَشتَهِ بيت قريبك : لا تشتهِ إمرأةَََ قريبكَ ولا عبده (خادمَه)، ولا أمَته (خادمتَه)، ولا ثورَه، ولا حمارَه ولا شيئاً ممّا لقريبك (خر 20-17). لا تشتهِ إمرأةَََ قريبكَ ولا تشته بيته ولا حقله ولا خادمه ولا خادمته ولا ثورَه، ولا حمارَه ولا شيئاً ممّا لِقًريبك. تث 5- 21 9 - لا تشتهِ إمرأةَََ قريبكَ.
10 - لا تشتهِ مقتنى غيرك.
1 - الإطار التاريخي
أ - الإطار التاريخي لسفر الخروج :
عاش العبرانيون فترة طويلة من الزمن في حالة من العبودية والذل والهوان تحت سلطة فرعون مصر. بعد خروجهم من مصر أي في زمن الخروج حسب العهد القديم، عاشوا40 سنة في الصحراء حياة البدو الرحل ينتقلون من مكان إلى آخر بحثا عن الطعام والماء وهم يتجهون إلى الأرض الموعودة.تثنية الاشتراع : تعني الشريعة الثانية، وضعت على لسان موسى، الذي أعطى تعليماته وتوجيهاته قبل أن يدخل العبرانيون إلى فلسطين.في سفر تثنية الاشتراع : يدخل الشعب في علاقة حب مع الله، تثنية الاشتراع في العهد القديم تشبه انجيل القديس يوحنا من العهد الجديد.
ب - الاطار التاريخي والجغرافي لسفر تثنية الاشتراع :
صفات هذه المرحلة : تغير الحياة
- يصل شعب الله إلى أرض الميعاد.
- يتحول شعب الله من حياة البداوة إلى حياة المدنية (الزراعة)
- يستقر الشعب في كنعان (فلسطين) (لا يمشي في الصحراء)
- يبدأ بالزراعة ويحتفظ الشعب بالمواشي
- كان يمشي في الصحراء بشكل شعب ، أما الآن فان الأشخاص تفرقوا في فلسطين .
- يلتقي الشعب مع السكان الأصليين .
تفهم الوصايا العشر أولا في إطار الخروج الذي هو حدث الله التحريري، إن عيش الوصايا يبيّن شروط حياة محررة من عبودية الخطيئة، إن عيش الوصايا العشر هو طريق حياة. تتخذ الوصايا كامل معانيها في صميم العهد: كشف سفر الخروج عن الوصايا العشر بعد عرض العهد (خر19) نقلت الوصايا العشر بعد التذكير بالعهد (تث 2:5)(2).وبت هذا العهد (خر 24 ) بعد أن التزم الشعب بتنفيذ، أو بفعل كل ما تكلم به الرب وائتمروا به (خر7:24)(3) .تفهم الوصية العاشرة في سفر الخروج بصورة فريضة سلبية ناهية، فإن تطبيق هذه الوصية يساعد على العيش بحياة محررة من عبودية الخطيئة.فانه حسب الكتاب المقدس يتخذ تصرف الإنسان الأخلاقي كامل معناه (خر20/2) (تث (5/6) (4). إن هذه العبارة تتناول موضوع (تحرير الإنسان). عندئذ يصبح السلوك الأخلاقي هو جواب الإنسان عن مبادرة الرب المحبة.
2- إطار النص
يقول النص في الفصل 20 من سفر الخروج : لا تَشتَهِ بيت قريبك : لا تشتهِ إمرأةَََ قريبكَ، ولا عبده (خادمَه)، ولا أمَته (خادمتَه)، ولا ثورَه، ولا حمارَه ولا شيئاً ممّا لقريبك (خر 20-17). ما يلفت الانتباه في سفر الخروج أن الوصية العاشرة تتضمن الوصية التاسعة ففي سفر الخروج يُحظَر اشتهاء ممتلكات الرجل(5) ، وفي ممتلكات الرجل أو القريب يُحظَّر اشتهاء امرأة القريب.ولكن مع مرور الزمن نلاحظ أن الأشكال الأساسية الثلاثة للحياة الاجتماعية(6) ، قد تغيرت مرات كثيرة على مدى التاريخ، وبذلك تغيرت أيضا الطريقة التي يتعين أن تفهم بها الوصية وتنفذ في كل مرة.أما في سفر تثنية الإشتراع 5 : 21 " لا تشتهِ إمرأةَََ قريبكَ ولا تشته بيته ولا حقله ولا خادمه ولا خادمته ولا ثورَه، ولا حمارَه ولا شيئاً ممّا لِقًريبك "ففي سفر تثنية الإشتراع يظهر تحريم اشتهاء امرأة القريب قبل تحريم اشتهاء مقتنى القريب، مشكلا وصية خاصة من الوصايا العشر ألا وهي التاسعة، فإفراد محل خاص في سفر تثنية الإشتراع لتحريم اشتهاء امرأة القريب يعبر دون شك، عن التغيير الذي حصل في تقدير المرأة.أما في العهد الجديد : حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك (متى 6 – 21 )فالصيغة التعليمية للوصية العاشرة تصبح : لا تشتهِ مقتنى غيرك.
3- معنى الوصية العاشرة في الزمن الحاضر
المعنى الأساسي للوصية هو احترام حرية الإنسان واحترام ممتلكاته ومقتنياته وتعزيز حقوقه التي هي أساس عيشه. من حيث مضمون الوصية، تحذر الوصية التاسعة شهوة امرأة القريب(7) والوصية العاشرة تحذر من شهوة مال الغير، هو أن هناك في الوصيتين تحريما للشهوة يتعلق بالموقف الداخلي وبتجربة امتلاك ما لا يحق للإنسان امتلاكه، سواء كان امرأة القريب أم ممتلكاته. فالتحريم لا يطال الزنى والسرقة بما هما فعل وحسب، بل يطال أيضا اشتهاءهما.وباعتبار التغيرات الحاصلة في بُنى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تنبه الوصية العاشرة على ضرورة إقامة نظام عادل للعمل والاقتصاد وإلى المسؤولية في استخدام صحيح للملكية في كل أشكالها. في سبيل وضع معايير نظام اجتماعي واقتصادي عادل.الكنيسة تهتم اليوم بأن يظل الإنسان إنسانا، عبر الأشكال والبنى المتغيرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ويتمكن من النمو إنسانيا.
4 – تحديد المفاهيم
1 – الشهوة :
ما هي الشهوة ؟ تعني كلمة شهوة في معناها الأصلي كل نزعة شديدة من نوازع الرغبة البشرية(8) . وقد أعطاها اللاهوت المسيحي هذا المعنى الخاص، إنها حركة الرغبة الحسية التي تعارض عمل العقل البشري.الشهوة تتميز عن الرغبة في أن الإنسان يريد أن يمتلك كل شيء ويسخر عندئذ كل شيء من أجل محبة الذات وخدمة حاجاتها حتى يصل الأمر بالإنسان إلى احتقار الله والآخرين.
تعسّف الشهوات
2535 : تحملنا الشهوة الحسية على أن نرغب في الطيبات التي ليست لدينا. هكذا هي الحال عندما نرغب في الطعام عندما نجوع، وفي الدفء عندما نبرد. وهذه الرغبات صالحة في حد ذاتها. إذا لم تقف الشهوة عند حدود العقل، تصبح الشهوة دنيئة (غير صالحة) وتدفعنا إلى أن نشتهي دون وجه حق، ما لا يعود إلينا، ويمتلكه غيرنا أو هو من حقه.مثلما تكون الشهوة الجنسية ليست فقط التي تسكن في قلوبنا ولكن الشهوة التي تكون سبب عثرة للآخرين، كذلك شهوة ملك الآخرين هي تلك التي تقسي قلبنا أمام الفقراء الذين نرفض مشاركتهم ممتلاكاتنا ووقتنا . الأنانية تجعلنا مسؤولين عن الشهوة التي نؤججها عند الآخرين. المشاركة في الخيرات تحررنا من الأنانية ومن الشهوة.تولد الشهوة في قلب الإنسان قبل أن يقوم بالعمل والقلب الشرير يكشف عن الشر. أحيانا تأتينا أفكار غير سليمة فهذه الأفكار التي تأتينا ليست خطايا و لكن عندما نحاول أن نتمتع بهذه الأفكار تصبح خطايا لأن هذه الأفكار تجعل القلب الذي يوافق على فعلها مظلما (1 يو6:1-7)(9) . يرفض يسوع الشهوة الدنيئة، حتى وإن كانت في النية وان لم تصل إلى الفعل (متى 5 / 28)(10) . يميز القديس يوحنا في رسالته الأولى ثلاثة أنواع من الشهوات أو الرغبات(11) ، الأولى شهوة الجسد والثانية شهوة العين والثالثة كِبرياءُ الغِنى (صلف الحياة أو تعظّم المعيشة) 1 يو2/ 16)(12) . و يجعل القديس بولس الشهوة متماهية " والثورة " التي يقودها الجسد على الروح(13) ، (أفسس 3:2)(14) ، والشهوة تتأتى من معصية الخطيئة الأولى تكوين ( 3 : 11)(15) .
2 - الرغبة :
الإنسان كائن رغبات : ماذا أجمل من أن يكون الإنسان كائن له رغبات ؟ إن عظمة الإنسان هو أنه كائن له رغبات فالرغبة تفتح قلب الإنسان إلى الآخرين والى حاجاتهم. وتجعل الانسان يتوق الى معاينة الله والاتحاد به.في الحياة عدة رغبات صالحة بحد ذاتها : الرغبة في الحياة، الشفاء، النمو، أن يحب وأن يكون محبوبا.نرغب جميعا في الخيرات التي لا نملكها، ونكون سعداء، نتنفس الصعداء عندما نحصل على عمل ممتع، أن نسكن في منزل رائع، ولكن أليس من الممكن أن يتملكنا ما نملك وما نريد أن نملك، حتى مرحلة احتقار حب الله و الاخوة؟! إن الرغبة ( أو شهوة التملك) ممكن أن تصبح اضطهاداً للذات وللآخرين. ليس امتلاك المال بحد ذاته شرا ولكن هو الطمع الذي يؤدي إلى العبودية، استعباد الآخرين، يؤدي إلى تحويل قلب الإنسان من قلب بشر إلى قلب من حجر، قلب يرفض المشاركة، يسرق ، يغش، يتهرب من دفع الضرائب.ويكون الله نفسه غاية ما نشتهي، هو الذي نعاينه بلا نهاية ، ونحبه بلا ارتواء، ونسبحه بلا ملل ، ويكون هذا العطاء وهذا الحب وهذا الاشتغال، بلا ريب كالحياة الأبدية، مشتركاً بين الجميع ".
"أريد أن أعاين الله"
2548 : إن الرغبة في السعادة الحقيقية تنقذ الإنسان من التعلق الزائد بخيرات هذا العالم، لتكتمل في رؤية الله وسعادته ."الوعد (بمعاينة الله) يفوق كل سعادة .(...) ورؤية الله في الكتاب هي الحصول عليه.(...) من رأى الله فقد حصل على كل الخيرات التي نستطيع أن نتصورها"
2549 : يبقى أن يحارب الشعب المقدس، بنعمة الله، للحصول على الله ومعاينته، أن يميتوا شهواتهم، وينتصروا بنعمة الله على إغراءات اللذة والسلطة. على طريق الكمال ينادي الروح والعروس من يسمعهما إلى الاتحاد التام بالله.
" رغبات الروح القدس
2541 : إن تدبير الشريعة والنعمة يصرف قلب الناس عن الجشع والحسد: يعلمه اشتهاء الخير الأسمى ؛ يلقنه رغبات الروح القدس الذي يشبع قلب الإنسان. و إله المواعيد قد حذر الإنسان دائما من إغراء ما يبدو منذ البدء (تك6:3) .(16)
2543 : أما الآن فقد اعتلن بر الله بمعزل عن الناموس، مشهودا له من الناموس والأنبياء، بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى جميع الذين يؤمنون (رؤ21:3-22)(17) . فلذلك المؤمنون بالمسيح "صلبوا الجسد مع أهوائه وشهواته" (غل 5 : 24 )؛ فيقتادهم الروح ويتبعون رغبات الروح.
3 - مقتنى غيرك :
ما هو مقتنى الغير ؟ هو كل ما يمتلكه الآخر من ممتلكات مادية وغير مادية : بيت، سيارة، فكر، سمعة، صيت، شهرة، عمل، حرية.
يسوع يحررنا من الأشياء الوثنية:
الشهوة والطمع يؤذيان بشكل مباشر المحبة، الطمع يجعل من المال صنماً، ومن الإنسان عبدًا لهذا الصنم .
2536 : تنهى الوصية العاشرة عن الطمع والرغبة في تملك لا محدود للخيرات الأرضية؛ وتحظر الجشع المنفلت الذي هو نتيجة التعلق المفرط بالمال وقدرته. وهي تمنع أيضا من الرغبة في ارتكاب ظلم يساء به إلى القريب في أمواله الزمنية .(18)
2537ليس هناك مخالفة لهذه الوصية إذا رغب الإنسان في الحصول على أشياء تخص القريب ما دامت الوسائل مستقيمة. والتعليم الديني التقليدي يشير بواقعية إلى"أولئك الذين عليهم أكثر من غيرهم أن يحاربوا شهواتهم الإجرامية "والذين يجب بالتالي"أن يحرضوا أكثر من غيرهم على التقيد بهذه الوصية" (19)الطمع هو سبب كل الظلم الذي يمكن أن يحصل، القديس بولس يجمع بين الطمع والدعارة وعبادة الأصنام لكي يميز مرحلة ما قبل التحول والايمان والدخول إلى المسيحية (روما18:1-32)(20)
الطمع هو نوع من أنواع الأصنام :
الطمع يؤدي بسهولة إلى نكران الإله الحقيقي، وخدمة المال ترمز إلى الوثنية.المسيحي الذي يعود إلى حالته الأولى قبل اهتدائه إلى الدين المسيحي، هو وثني كونه دون محبة، والذي يستخدم الآخرين من أجل تحقيق مصالحه دون الانتباه إلى حقوقهم، فالمؤمن يضع نفسه في خدمة الآخرين، إذا خضع المؤمن للطمع فانه يعود إلى حالة الوثنية التي حرره منها يسوع.تؤدي الشهوة أيضا إلى الدعارة – فالقديس بولس يوضح في رسالته الىأهل أفسس (3، 5) دلالة على حياة المسيحيين قبل اهتدائهم إلى الدين المسيحي .الدعارة تعني استخدام الآخر كشيء. الذي يخدم إله المال ألا يؤدي إلى استخدام الآخر لمصلحته؟
2538 : وتقتضي الوصية العاشرة إقصاء الحسد من القلب البشري : الحسد(21) رذيلة رئيسية. وهو يشير إلى معاناة الحزن حيال مال الغير والرغبة القوية في امتلاكه، وإن عن غير وجه حق.
2540 : الحسد وجه من وجوه الحزن وبالتالي رفض للمحبة ؛ وعلى المؤمن أن يحاربه بالمحاسنة. وكثيرا ما يتأتى الحسد من الكبرياء؛ فالحسد يمكن أن يقود الإنسان إلى أفظع المآثم. " و بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم". فعلى المؤمن أن يتمرن على العيش في التواضع.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في عظته عن الرسالة الثانية إلى الكورنثيين(22) أما القديس غريغوريوس الكبير فقد كتب في كتابه أخلاقيات في أيوب يقول(23) يهتم العهد الجديد بالموقف الشخصي الداخلي لكل إنسان تجاه المقتنيات. الإرشاد الإنجيلي وتوجيهات الرسائل الأخلاقية، لا تستهدف نظام الملكية الخاصة، بل الأخلاق الدينية والأخلاقية المرتبطة في معظم الأحيان بالمقتنيات والأملاك، أي الجشع والطمع والاشتهاء والأنانية. والمواقف التالية في استعمال الثروات المادية هي مواقف خاطئة ، وغالبا ما تترافق مع اقتناء الأملاك وتهدد حرية الإنسان : قلب تسلسل القيم، والتعدّي على العدالة والمحبة، وبنتيجة ذلك زعزعة أساس النظام الاجتماعي .
4 - نقاء القلب :
ما معنى أن يكون القلب نقيا ؟ أن يكون "قلب حقيقي" نقول : خمر نقي – ماء نقي – ذهب نقي. يمكن تعريف القلب النقي بأنه القلب الشفاف، عندما تكون الكاسة نقية فإنها تترك النور يمر عبرها. كل شيء يأتي من القلب – الحقيقة والكذب – يأتيان من القلب. القلب الذي يستطيع تحقيق كل الوصايا (متى 15 / 16– 20)(24)القلب النقي هو القلب الذي يحب الآخر مثل ذاته – انه يحبه على مثال حب الله للآخر.يعتبر خطيئة كل فعل يؤدي إلى إثارة الشهوة الدنيئة في قلب الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر (متى6:18-7) .وذلك في مجال التربية، المسرح، الإعلان، فساد الأخلاق....
- إن الإنسان الفقير القلب : هو الإنسان الذي يستخدم ماله كنبع للمشاركة ويكون فيه حرا (متى 6 : 19 – 21) (25)متى24:6)(26) إن نقاء القلب لا يتوقف على قوة الإنسان بل تقويه حياة الصلاة ، فالإنسان مدعو لأن يكون إنسانا جديدا يسكن فيه الروح القدس مدعوماً بالحب للآخرين، فكل مسيحي، حسب إمكانياته ووسائله مدعو لأن يأخذ دوره الخالق و الفعال في تطوير أشكال الثقافة، التي تساعد على الخير . أنظرُ إلى قريبي دون أن أشتهي أملاكه، انظرُ ما يمكنني أن أقاسمه، إن اشتهاء أملاك (مقتنى الغير) تجعل الإنسان في عبودية داخلية جاء يسوع ليحررنا منها.
موقف يسوع : فقر القلب
أَوْلَى يسوع في تعليمه اهتماماً كبيرا لقلب الإنسان، فمن القلب يخرج الخير و الشر (متى 15/15-20)(27) . في موعظة يسوع على الجبل، يقول يسوع : طوبى لأنقياء القلوب فانهم يعاينون الله (متى 5 : 8) . (إذا كانت عينك نقية) إن أنقياء القلوب سعداء، انهم سيرون الله، لأنهم يحبون دون أي خطيئة تمنع تجلي حب الله فيهم. إن الذي يحب الرب لا يمتلئ من ذاته. هنا في الموعظة يُرجع يسوع السلوكَ الأخلاقي إلى داخل قلب الإنسان بشكل جذري ومطلق، فمن قال لأخيه "أحمق" فكأنه قتله (متى 5/21-22) . وهذا الرجوع إلى قلب الإنسان يمثل في الوقت نفسه تحررا من وصايا الشريعة المتنوعة وتطلبا أكبر وأعمق وأبعد من الامتثال لأية شريعة خارجية. وبالتالي يحمّل يسوع الضمير مسؤولية اتخاذ القرار الأخلاقي .فحيث تتوقف الشريعة عند حد "لا تقتل" يصل الضمير إلى أفق أبعد وأدق : "لا تقل أحمق لأخيك" . وعندما يسأل الفريسيون يسوع عن التطهير الخارجي يحدثهم عن القلب الذي يجب أن يتطهر كي لا يتحول إلى القلب المبيض خارجيا والمملوء عفنا داخليا (متى23/25-29) .(28)ففي تعليم يسوع ينبع السلوك الإنساني من داخل الإنسان من ضميره قبل أن يكون نابعا من قاعدة اجتماعية أو سياسية أو من تقليد ما، أيا كانت أهمية هذه القاعدة أو هذا التقليد. وهنا نفهم أيضا أن تعليم يسوع يحمل بعدا عاما وشاملا لأنه موجه إلى ضمير كل إنسان، ولأنه غير محدد في مضمونه ومتطلب في شكله ("أحبب قريبك حبك لنفسك")، فهو دعوة موجهة إلى حرية كل إنسان كي يتحمل مسؤوليته، و يقرر في صميم حياته و خصوصية ظروفها ونسبيتها كيف يحقق هذه المحبة المطلقة.و يعني الرجوع إلى الضمير مساواة البشر في ما بينهم، في علاقة تبادلية محورها تحمل الإنسان مسؤولية الآخر كمسؤوليته عن نفسه، دلالة على حبه الكلي لله وحبه للآخرين كما يحب نفسه وفي هذا يكمل الكتاب المقدس كله : "كل ما أردتم أن يفعل الناس لكم، فافعلوه أنتم لهم : هذه هي الشريعة و الأنبياء "(متى7/12، متى 22/37-40) . (29)
2544 - يطلب يسوع من تلاميذه أن يفضلوه على كل شيء وكل إنسان ، ويعرض عليهم "إن يزهدوا في جميع أموالهم " لأجله ولأجل البشرى الحسنة. وأعطاهم قبيل آلامه كمثال أرملة القدس الفقيرة، التي من عوزها أعطت كل ما كان لمعيشتها فريضة التجرد من الغنى واجبة لدخول ملكوت السماوات.
2534 - علاقة الوصية مع باقي الوصايا : الوصية العاشرة تقصد نية القلب وهي تكمل الوصية التاسعة(30) التي تتناول شهوة الجسد والوصية العاشرة(31) تختصر مع التاسعة جميع فرائض الشريعة0 وهي تنهي عن اشتهاء مال القريب، أصل السرقة والنهب والغش التي تحرمها الوصية السابعة. تنهي عن شهوة العيون أي تلك الرغبة في تملك كل ما تراه، وتقود إلى العنف والظلم ومن ثم تؤدي إلى القتل اللذين تحظرهما الوصية الخامسة(32) . وأصل الجشع هو في عبادة الأصنام التي تنهي عنها الوصايا الثلاث الأولى من الشريعة .(33)
5 - مفهوم الخطيئة :
الخطيئة ليست فقط في أن أفعل شراًّ إنما هي ألاّ أفعل خيراً أستطيع أن أفعله. هي أن لا أفعل خيرا عندما أستطيع أن أفعله.
اليوم : إلى أي مدى أعيش الوصية العاشرة ؟
هل أحيا الأمل أو الرجاء أو الحب ؟
هل أخرج من ذاتي وأحترم حرية الآخر ليصبح الآخر حقاً آخر؟
ملخص :
- حيث يكون كنزكم يكون قلبكم.
- تنهي الوصية العاشرة عن الجشع المنفلت الناتج من التعلق الزائد بالغنى وسلطته.
- الحسد هو معاينة الحزن أمام مال الغير والرغبة الجامحة لامتلاكه.
- التجرد ضروري لدخول ملكوت الله طوبى للمساكين بالروح.
- الإنسان الذي يتوق إلى الله يقول : أريد معاينة الله والظمأ إلى الله يرويه ماء الحياة الأبدية.
ثلاثة وجوه من عصرنا : معنى سلوك الأب ماكسيميليان كولب والأم تريزا وجان فانييه
إذا تمعنا في معنى سلوك الأب كولب والأم تريزا وفانييه ندرك أن احترام و تقدير إنسانية الآخر مسؤولية منوطة بكل شخص، وعلى كل شخص، عندما يصير الآخر آخر، تحت وطأة الألم والتشويه، أن يتساءل عن مسؤوليته تجاهه، وأن يدافع بكل عزمه عن الإنسانية المشتركة بينهما ويدفعه التساؤل إلى ابتكار سلوك يعلن من خلاله أنه والآخرين والعالم مدينون بوجودهم لمصدر حياة لا ينفذ ولنبع عطاء لا ينضب وهكذا يكتشف الإنسان – في وسط الألم والمهانة – قيمة حياته و كرامتها بفضل انتباه شخص آخر إليه و تضامنه معه، و هي تمهد لتسمية مصدر الحياة، الله، و هو من يضفي عليها معناها الحقيقي و قيمتها اللامتناهية .يمكن أن نفهم أن كرامة الإنسان تظهر في الحرية التي تقول "لا" لمن ينكر الحرية و في إرادة التضامن مع الآخر، و رفض ما يفرق بين البشر. و تظهر الكرامة الإنسانية حين ينتبه شخص إلى حاجات أخيه الإنسان و لا يدير إليه ظهره أو يغمض عينيه عن بؤسه، فيحترم حاجاته الأولية – من طعام ومشرب وملبس وسقف يحميه – كتعبير عن احترام كرامته وتقديره لإنسانيته، ومكتشفا بالتالي أفق العلاقة الإنسانية المحيية وعمقها اللامحدود .اختبر الكثيرون كيف اكتشفوا الثمن اللامتناهي لكل حياة بشرية وقيمة الوجود الإنساني العظيمة أمام حياة مهددة أو موقف خطر يتعرض له شخص آخر. وعرفوا كيف دفعهم هذا الشعور إلى السخاء أي إلى القدرة على إظهار الاهتمام اللامحدود بالآخر حتى بذل الذات . و على هذا الأساس، ندرك أيضا أن كرامة كل إنسان لا يمكن حصرها في لائحة من الحقوق ، ولا يمكنها حتى أن تتحقق في احترام هذه الحقوق فقط،بالرغم من أهمية وجود هذه المواثيق ووجوب اتباعها، لأن احترام الكرامة الإنسانية يفوق كل ميثاق مكتوب ويعني تطلبا مستمرا ومتجددا لجعلها حقيقة واقعة.
الى من يريد أن يذهب إلى أبعد يمكنه العودة الى المراجع التالية :
- دليل الى قراءة الكتاب المقدس، اسطفان شربنتييه، ص 56 – 57 ، ترجمة الأب صبحي حموي اليسوعي، منشورات دار المشرق، لبنان، 1982
- التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، ترجمة ونشر المكتبة البولسية، لبنان، 1999
- مدعوون الى الحرية، دراسة في أسس الأخلاق المسيحية، الأب نادر ميشيل اليسوعي، منشورات دار المشرق، 1998
- المسيحية في أخلاقياتها، نشرة مجلس أساقفة كنيسة ألمانية، ترجمة ونشر المكتبة البولسية، لبنان، 1999
كتاب الايمان، نشرة مجلس أساقفة كنيسة بلجيكا، بروكسل، 1987
الحواشي :
1 - التعليم الكاثوليكي، نشر الكاردينال جاس باري ( مطبعة الفاتيكان، 1933 )، ص 23- 24
2 - إن الرب قد بت معنا عهدا في حوريب
3 - وقال الله لموسى:" اصعد إلى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل واسجدوا من بعيد "
4 - "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من دار العبودية.
5 - ويعود السبب في هذا المحل المختلف لتحريم اشتهاء امرأة القريب، إلى أنه في الأزمنة الأولى من تاريخ العبرانيين، كانت المرأة تعد جزء من ممتلكات الرجل.
6 - العائلة والجماعة السياسية والجماعة الدينية (جماعة الكنيسة).
7 - تدل " شهوة الجسد" على الأهواء المنحرفة في الطبيعة البشرية.
8 - تعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ص 702 .
9 - فإذا قلنا لنا مشاركة معه ونحن نسير في الظلام كنا كاذبين ولم نعمل للحق وأما إذا سرنا في النور كما انه هو في النور فلنا مشاركة بعضنا مع بعض ودم يسوع ابنه يطهرنا من كل خطيئة
10 - من نظر إلى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه.
11 - تدل"كبرياء الغنى" على اطمئنان الإنسان العائش في ترف بصرفه عن الاتكال على الله.
12 - لأن كل ما في العالم من شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى ليس من الآب بل من العالم
13 - فلا تقضوا شهوة الجسد (غل5/16) ...... لأن الجسد يشتهي ما يخالف الروح والروح يشتهي ما يخالف الجسد(غل5/17) .... وما فيه من أهواء وشهوات (غل5/24)
غل5 : 24،17،16 وأقول: اسلكوا سبيل الروح فلا تقضوا شهوة الجسد، لأن الجسد يشتهي ما يخالف الروح، والروح يشتهي ما يخالف الجسد: كلاهما يقاوم الآخر حتى انكم تعملون ما لا تريدون،ان الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا الجسد وما فيه من أهواء وشهوات.
14 - وكنا نحن أيضا جميعا في جملة هؤلاء نحيا بالأمس في شهوات جسدنا ملبين رغبات الجسد ونزعاته. وكنا بطبيعتنا أبناء الغضب كسائر الناس
15 - فمن أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أمرتك ألاّ تأكل منها؟ > وهي تشوش نظام الملكات الأخلاقية البشرية، تجعل الإنسان يميل إلى ارتكاب الخطايا وإن لم تكن هي ذنبا في حد ذاتها.
16 - ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأن الشجرة منية للعقل . فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضا زوجها الذي معها فأكل.
17 - والغالب سأهب له أن يجلس معي على عرشي، كما غلبت أنا أيضا فجلست مع أبي على عرشه، من كان له أذنان فليسمع ما يقول الروح للكنائس.
18 - عندما تقول لنا الشريعة:"لا تشته" فهي تقول لنا بكلام آخر أن نقصي رغباتنا عن كل ما ليس لنا. لأن الظمأ إلى مال القريب شديد،لا محدود، ليس له أبدا ارتواء، كما كتب "عين الجشع لا تشبع من نصيبه"(سي9:14).
19 - "انهم التجار الذين يرغبون في النقص في التموين أو الغلاء في البضاعة،والذين يحزنهم أنهم ليسوا الوحيدين للشراء والبيع،فيتمكنوا من البيع بأغلى ثمن والشراء بأرخصه؛ وأولئك الذين يتمنون أن يكون الناس في عوز حتى يصيبوا ربحا أكبر،إما ببيعهم أو بالشراء منهم.والأطباء الراغبون بوجود مرضى، ورجال القانون المطالبون بقضايا و دعاوى هامة وعديدة"... ص 708
20 - ملئوا من أنواع الخبث والطمع والشر وملئوا من الحسد والتقتيل والخصام والمكر والفساد.
21 - عندما أراد الملك ناتان حث الملك داؤود على الندامة، روى له قصة الفقير الذي لا يملك غير نعجة وحيدة ،كانت عنده كابنته ،والغني الذي على ما كان له من قطعان كثيرة، حسد الأول وانتهى به الأمر إلى أن يسرق منه نعجته.
22 - "يحارب بعضنا بعضا والحسد هو الذي يسلحنا لنقاتل بعضنا بعضاً، فإذا استشاط الجميع هكذا على جسد المسيح ليزعزعوه فإلى أين سنصل؟ إننا نوهن جسد المسيح. نعلن أننا أعضاء كيان واحد وننهش بعضنا بعضا كما تفعل الضواري ".
23 - "من الحسد يولد البغض والنميمة والافتراء، والفرح الناتج من مصيبة القريب، والحزن الناجم عن وجوده في السراء".
"انك تريد أن ترى الله ممجدا بك ؟ إذن افرح بتقدم أخيك، وبذلك بك يتمجد الله . ويقول الجميع:" تبارك الله" الذي له أمثال هؤلاء العبيد الأحرار من كل حسد ،الذين يفرح بعضهم لفرح بعضهم الآخر".
24 - وأما الذي يكون حجر عثرة لأحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فأولى به أن تعلق الرحى في عنقه ويلقى في عرض البحر . الويل للعالم من أسباب العثرات! ولا بد من وجودها، ولكن الويل للذي يكون حجر عثرة !.
25 - اكنزوا لكم كنوزا في السماء
26 - ما من أحد يستطيع أن يعمل لسيدين لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر : لا تستطيعوا أن تعملوا لله وللمال
27 - فقال له بطرس:" فسّر لنا المثل " فأجابه أو أنتم حتى الآن لا فهم لكم؟ ألا تدركون أن ما يدخل الفم ينزل إلى الجوف ثم يخرج في الخلاء ؟ وأما الذي يخرج من الفم ينبعث من القلب، وهو الذي ينجس الإنسان .فمن القلب تنبعث المقاصد السيئة والقتل والزنى والفحش والسرقة وشهادة الزور والشتائم . تلك هي الأشياء التي تنجس الإنسان ، أما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجس الانسان.
28 - الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون فإنكم أشبه بالقبور المكلسة يبدو ظاهرها جميلا وأما داخلها فممتلىء من عظام الموتى وكل نجاسة، وكذلك أنتم تبدون كظاهركم للناس أبرارا ، واما باطنكم فممتلىء رياء وإثما .
29 - فقال له:"أحبب الرب الهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك. تلك هي الوصية الكبرى والأولى . والثانية مثلها : أحبب قريبك حبك لنفسك .بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء".
30 - الوصية التاسعة تتعلق بالشهوة التي تؤدي للزنى
31 12- الوصية العاشرة تتعلق بالشهوة التي تؤدي للسرقة.
32 - ر مي 2 : 2
33 - حك 14 : 12