اشترك في مجموعة الشبكة المسيحية على الفيس بوك 

العودة   الشبكة المسيحية > القسم الديني > المحاضرات الدينية

اخر عشرة مواضيع
كوردستان تخصص 41 مليار دينار لمشاريع تربوية بـ"المتنازع عليها" في نينوى (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          إسرائيل: نائب وزير الدفاع الأميركي زار حدود سوريا (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          حسني مبارك في تسجيل صوتي: تنحيت حفاظاً على أرواح الناس (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          اعتقال شرطي هارب كان مرشحاً لمجلس ذي قار (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          نوشيروان مصطفى اتهم طالباني وبارزاني بالتضحية بالمناطق المتنازع عليها (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          العراق يبعد كردستان من طموحه لإنتاج النفط في 2014 ‏ (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          كاتم الصوت يترصد البعثيين العائدين من سوريا كتابات (الكاتب : مراسل الشبكة - )           »          نور صبري: المنتخب لم يستحق الخسارة امام استراليا (الكاتب : Al-Saher - )           »          منتخبنا الوطني يخسر من جديد في طريق المونديال بهدف الاسترالي جوش كينيدي (الكاتب : Al-Saher - )           »          إيران وكوريا الجنوبية إلى نهائيات المونديال (الكاتب : Al-Saher - )

الإهداءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-2009-07, 11:22 AM   #1

MARSEN_87

عضو مميز






 
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى MARSEN_87 إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى MARSEN_87
Baptist اسرار الكنيسة ومفاهيمها اللاهوتية والروحية"الكاثوليكية"

الأسرار
بنيتها ورموزها ومفاعيلها
الأب منير سقّال


" جسدي قريب منه ، التصقت به فضمني إليه ، ما كنت لأعرف أن أحب الرب ، لو لم يسبقني هو ويحبني . هل يفهم المحبة غير المحب ؟ أضم الحبيب إلي ، فتهيم به نفسي .
حيث راحته ، فأنا هناك ، لن أكون بعد اليوم غريباً ، لأن الجفاء ليس من شيم العلي الرحيم . أنا مشدود إليه ، لأن المحب وجد حبيبه . "
( النشيد الثالث من موشحات سليمان )
القران الروحي


مقدمـة
موضوع الأسرار ، هو تركيز على ينابيع العمل الليتورجي الأساسي . ونأمل أن نستزيد من القراءة والاطلاع على موضوع كهذا بالغ الأهمية في حياتنا وحياة الكنيسة . " كي تنمو المحبة في النفس وتثمر ، مثل حبة جيدة ، يجب على كل مؤمن أن ينفتح تلقائياً على كلام الله ، وبعون نعمته يعمل حسب مشيئته ، ويشترك بتواتر بالأسرار ، لا سيما الافخارستيا . " ( فاتيكاني 2 ، ك 42 ) إن الأسرار كلها موضوعات إيمان ، وقد حددتها عقيدة الكنيسة .
وممارستها هي التي تخلق المسيحيين وتخلق الكنيسة ، فالمسيحية من دون عماد أو افخارستيا أو كهنوت أو زواج … ليست سوى منظمة فلسفية أو جمعية خيرية . ولا شك أن الأسرار متضمنة كلها في تجسد يسوع المسيح وحياته وموته وقيامته ، كما في ينبوعها ، وهي تتدفق مع الدم والماء من جنبه المطعون على الصليب .
دوافع عدة تجعل شرح الأسرار حاجة ماسة ، منها : كثيرون من مدّعي المسيحية يهملون اليوم طريق الأسرار أو يرفضونها ، حتى الأمس القريب كانوا يكتفون ببعض الإجراءات : عماد ، قربانة أولى ، زواج ، قداس الأحد … فالأسرار أخذت تختفي من حياتهم وغالباً ما يدعون أنهم لا يزالون على علاقة حياتية بالمسيح ، ذاك أنهم لا يفهمون شيئاً من الأسرار ولا من المسيح . غير أن هذه ليست سلبية محضة : فالعمادات والزيجات تعّد بطريقة أفضل في جماعات الإيمان والاعترافات أصبحت أحداثاً كنسية وقداس الأحد يستعيد حرارة وصدق المسيحية الناشئة .
وأيضاً ، يعرف الممارسون الكثير عن الأسرار ، أشياء قد لا تكون هي الجوهرية ، علينا أن نعيد النظر في ممارستنا ، التي لا تجذب الشباب لكي يبقوا معنا ولا تستهوي غير الممارسين لكي يأتوا إلينا . يجب أن ننسى ما نعرف عنها وأن نتباعد لكي نكتشف بعناء جديد وننطلق من جديد . الأسرار أسرار إيمان و لا تعود تفهم إذا صدئ الإيمان . يقولون أنا مؤمن لكنني لست ممارساً . بماذا تؤمن ؟ وأي إيمان هو إيمانك ؟ غيرهم يمارسون ، ولكن هل هم مؤمنون ؟ وأي إيمان هو إيمانهم ؟ حقيقة الأسرار هي رهن نور إيمان من يتقرب منها . أتودون أن نجدد نظرتنا الإيمانية ؟
ما هو السر ؟
ربما أول ما يجب أن ننسى قد تكون تلك العلاقة الواضحة لكلمة " سر " التي نلصقها غالباً على طقوس الحياة الدينية الكاثوليكية السبعة . وكلمة " سر " لم تأخذ معناها الواضح إلا من القرن الثاني عشر . وهذا المعنى آخذ اليوم في الضياع إلى أن نجد المعنى الأوسع الذي أعطته إياه الكنيسة مدة طويلة من الزمن . كما أن كلمة سر غير موجودة في الكتاب المقدس ، إنه اشتقاق من كلمة لاتينية " سكرمنتوم " وليس له مقابل في اليونانية ، و " سكرمنتوم " كلمة قانونية تعني القسم المقدس ( قسم اليمين في المحاكم اليوم ) ، ثم أصبح " سرمان "، وإذ لم يكن هناك أفضل استعملوا كلمة سكرمنتوم لترجمة كلمة " ميستاريون " الموجودة في كتب العهد الجديد الأصلية ، وطوال ما ينيف على الألف سنة ، استعملت الكنيسة هذه الكلمة بمعانٍ عديدة ، فهي تعني حقائق الإيمان والعبادة المسيحية المتنوعة : سر التجسد والفداء ، كلام الكتاب المقدس والأحداث والأعمال والحركات المقدسة والطقوس المسيحية … فقط في القرن الثاني عشر احتفظوا بهذه الكلمة للدلالة على هذه السبع " علامات المقدسة الكبرى التي أسسها السيد المسيح لكي تعني النعمة وتمنحها . "
كم سر يوجد ؟
طيلة ألف ومئتي سنة في الكنيسة ، لم يكن معنى كلمة " سر " قد اتضح بعد . لذلك لم يكونوا يعرفون كم يوجد سر . وبعد ذلك كانوا يعيشون واقع الأسرار بعد أن حدّدوها وعدّدوها . قبل ذلك الوقت كان كل شيء ، بنوع أو بآخر سراً أي علامة من الله : العالم ، الكنيسة ، الكتاب المقدس ، القريب وخاصة الفقير . فلم يكن حصر هذه الكلمة بعلامات مميزة لحضور الله . إن الأسرار هي : علامات العهد الذي يعيشه الله معنا في يسوع المسيح . وقبل كل شيء : المسيح سر الآب والكنيسة سر المسيح : هذان هما السران الأولان للّقاء بالله الذي نعيشه عملياً في العماد والافخارستيا والمصالحة …
المجمع الفاتيكاني الثاني والأسرار
لقد وعى المجمع روتين الممارسين وعدم تكيف بعض الطقوس ، فلذلك أمر بتجديد كتاب رتب الأسرار كلها ، وقال : " إن غاية الأسرار هي تقديس البشر وبنيان جسد المسيح وأخيراً تأدية العبادة لله . ولكن بصفتها علامات ، لها أيضاً دور تعليمي . هي لا تفترض الإيمان وحسب ، ولكنها تغذيه أيضاً بالكلمات والأشياء وتقويه وتعبر عنه ولذلك سميت أسرار إيمان " ( ل 59 ) أجل إنها تعطي النعمة ولكن الاحتفال بها يهيئ المؤمنين أفضل تهيئة لقبول النعمة قبولاً مستمراً ولتأدية العبادة لله ، بصورة صحيحة ، ولممارسة المحبة . وبالتالي لمن الأهمية بمكان أن يفهم المؤمنون بسهولة علامات الأسرار وأن يقبلوا عليها بتواتر شديد ، إذ أنها رسمت لتغذي الحياة البشرية .
الفكرة تكمن في جعل كل سر أكثر بلاغة وأكثر " دلالة " ليس فقط بالنسبة إلى المؤمنين . فإذا كانت الأسرار علامات خلاص كامل في يسوع المسيح ، فهي ملك البشرية جمعاء : فيجب أن تعني شيئاً لغير المعمدين ، على الأسرار أن تقول شيئاً لإنسان كل مكان . إرادة الروح القدس والكنيسة واضحة : إحياء إيمان الممارسين ، تفجير الأسرار في صميم حياة الإنسان .
أصل الأسرار
كل الأسرار تعود بجذورها إلى الإنجيل المقدس . كل سر ، إنما هو ذكرى وحضور : ذكرى أعمال يسوع الخلاصية وتعاليمه السماوية ، وحضور شخصه الإلهي – الإنساني ، كل سر هو " تأوين " لعمل وتدبير الله الخلاصي ، للحصول على حياة الشركة مع الله . كل سر هو واقع تجسد كلمة الله يسوع المسيح لخلاص الإنسان وتأليهه . كل سر هو إنجيل يسوع يبشر بخلاصه يروي لنا حياته من ميلاده إلى موته وقيامته . إلى المسيح إذاً تعود الأسرار : فالمسيح وقد قبل العماد أمر الرسل أن يعمدوا ، وهو الذي أرسل الروح عليهم ليثبتّهم في الإيمان ووعد به المؤمنين به ، هو الذي حول الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه وقال لرسله : اصنعوا هذا لذكري ، راسماً إياهم كهنة العهد الجديد وأعطاهم سلطاناً بعد قيامته لغفران الخطايا وأرسلهم إلى المدن والقرى ليدهنوا بالزيت ويشفوا المرضى وهو الذي قدس الزواج بحضوره الشخصي عرس قانا الجليل .
من الرمز إلى الحقيقة
" إنه من الأهمية بمكان أن يفهم المؤمنون سهولة علامات الأسرار وأن يقبلوا عليها بتواتر شديد ، إذ أنها رسمت لتغذي الحياة الإنسانية " ( ل59 ) .
العلامة والرمز هما من حواضر حياتنا الإنسانية ، نجدها تحت شكل المادة والكلمة ، والحركة والإنسان ، نتبادلها بعضنا مع بعض ومع الله ، نعيشها في علامات الأزمنة وعلامات الكنيسة وعلامات تاريخ الخلاص وعلامات الليتورجيا وهي تتنوع بتنوع الأمكنة والحضارات وتتطور في مسيرة الزمن ، بعضها من وضع إلهي كالأسرار وبعضها كنسي كما في الليتورجيا وشبه الأسرار وبعضها من وضع بشري كما في تعدد المجتمعات . فالرمز إذا هو العلامات الحسية في طقوس الأسرار ، كالماء والزيت والخبز والخمر … أما الحقيقة فهي تقديس الإنسان أو النعمة أو الصورة أعمق وأشمل هي الاشتراك في حياة الله والاتحاد به بقوة الروح القدس في المسيح ابن الله المتجسد الذي مات وقام وهو جالس عن يمين الآب ، وهو الحقيقة بيّنها الكلام الذي يرافق العلامات . فمن المسيح وحده تستمد رموز الأسرار شرعيتها ومعانيها : فالمسيح هو صورة الله الذي لا يُرى إذ قال : " من رآني فقد رأى الآب " ( يو 14/9) ، هو الذي عنده الخبر اليقين عن الآب لأنه هو وحده رآه " الله لم يره أحد قط الإله الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو نفسه أخبر " ( يو 1/18 ) ويتمم أعماله ويعمل مشيئته . إن يسوع بتجسده وذروته الصليب ، حقق في ذاته معنى الرمز والحقيقة ، وفيه تجد الرموز حقيقتها لأنه جمع في ذاته الإله والإنسان ، إنه الله الذي صار إنساناً ليتجلى فيه لطف الله ومحبته وخلاصه ، إنه الصورة أو الرمز الجوهري للآب ، إنه بكر كل خليقة فيه تجد الخليقة معناها وغايتها . وما تشير إليه وما تعكسه من مجد الخالق .
فالمسيح جمع إذاً في ذاته عالم الحسيات وعالم الروحيات ، عالم الناس وعالم الله ، فلا يمكن لأي خليقة أخرى أن تحل محله ولا يمكن لأي رمز من الرموز أن يحوي الحقيقة الروحية ويعبر عنها ، مهما سما هذا الرمز .
فاعلية الرمز
إن المسيح حاضر دوماً مع كنيسته ، ولا سيما في الأعمال الطقسية ، إنه حاضر في ذبيحة القداس ، وفي شخص خادم السر ، والذي يقدم نفسه الآن بواسطة الكهنة ، هو الذي قدم ذاته على الصليب … إنه حاضر بقوته في الأسرار بمعنى إنه عندما يعمد أحد هو المسيح نفسه الذي يعمد ، هو حاضر في كلمته … لهذا تعتبر الطقسيات بحق ممارسة لمهمة المسيح الكهنوتية ، ممارسة تعني بعلامات حسية تقديس الإنسان ، ونحققه بطريقة خاصة في كل منها … " ( ل 7 ) .
لقد قلنا أن الأسرار وضعها المسيح لتقديس المؤمنين به ، وهو أثناء حياته على الأرض استعمل لغة الناس ليكلمهم ويصنع لهم الآيات . كذلك لا يزال المسيح ، بعلامات الأسرار الحسية وبقوة الروح القدس يواصل تقديس المؤمنين به الذين يشركهم بموته وقيامته أي في حياته الجديدة الممجدة . إن العلامات لا تحوي النعمة كشيء جامد ، قوّتها الخلاقة تأتيها من المسيح ، ولا يمكن فصلها عن حياة المسيح على الأرض وحياة الثالوث ، فمهمة المسيح أيضاً جعلهم أبناء الله وذلك بحملهم في تيار البنوة الذي عاشه المسيح بحياته وكرسه بموته وقيامته و أدخلنا فيه بالروح القدس . إن نعمة الروح القدس ، نعمة الأسرار لتبلغ غايتها فينا ، يجب أن نتعاون مع الله لاستثمارها والاستزادة من فوائدها .
المسيح السر الأساسي
الأسرار إذاً ، هي أعمال إلهية لا إنسانية ، هي العلامة على أن الله يخلص " ظهور الله ذاته منظورا ً " ، هو يسوع ، وأكبر عمل يعمله الله هو تأنسه ، هاكم ثمرة هذا السر " عندما بلغ ملء الزمان ، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ، لنصير نحن أبناء الله " ( غل 4/4 ) . فالمسيح هو السر الأول ، السر الحقيقي ، لأنه الأداة والعلامة الفعالة لتأليه الإنسانية . في التجسد ، في يسوع الناصري ، رُفعت الطبيعة البشرية إلى الكرامة الإلهية ، طبيعتنا نحن جميعاً . هذا هو سر عبوره نحو الآب وعبور جميع الناس معه وبفضله : إنه سر الفصح . ولن تكون سائر الأسرار سوى سر الفصح يتحقق في حياة البشر . إن حب الإنسان يسوع هو التجسد البشري لحب الله الفادي ، وأعماله تحمل قوة خلاص إلهية ، ولكن بما أن الشكل الإلهي يبدو لنا في صورة بشرية منظورة ، فأفعال يسوع الخلاصية أفعال سرية . فالسر يعني فعلاً هبة إلهية خلاصية في شكل خارجي ملموس ، شكل يمكن التحقق منه هو تجسيد لهذه الهبة . هذه الأعمال لم يطمسها الزمن . فالمسيح ، سر اللقاء بالله ، هو معنا حتى انتهاء العالم لكي يعود فيعمل هذه الأعمال لنا نحن ، من خلال أسرار الكنيسة .
الكنيسة سر المسيح
يريد الله أن يخلص جميع البشر ، هذا هو سر الخلاص ، السر الفصحي ، فصح تعني عبور ، عبور الله نحونا ، عبر المسيح نحو الآب ، بموته وقيامته وفيهما يجذبنا كيلا نؤلف معه سوى جسداً واحداً ؛ الكنيسة . شعب الله هذا يولد بقوة الروح القدس من الإيمان والأسرار ، والكنيسة هي سر الخلاص . لقاء شخصي مع المسيح الحي ومع الجماعة الكنسيّة . والكنيسة هي في المسيح كالسر أي العلامة والإدارة للوحدة الوثيقة في الله ولوحدة الجنس البشري بأسره ( دستور عقائدي في الكنيسة 1 ) . وهي ترسلنا إلى المسيح كما العروس إلى عريسها ، ليست هي المسيح بل علامته ، سر المسيح : تعلنه وتجعل الناس يجدونه فيها . المسيح المتجسد هو وجه الآب ، فيجب أن تكون الكنيسة للبشر وجه المسيح الصاعد إلى السماء وعلامة فعالة تجعله حاضراً حسياً في العالم أي أن تكون " سر المسيح " . هكذا بالعلامة السرية التي تنوب عن ظهورات القائم من الموت كل الذين لم يعيشوا شخصياً مع يسوع ، بإمكانهم أن يلتقوه بدورهم وأن يعرفوه مؤكدين : إنه هو حقاً .
الكنيسة وأسرارها
إن المسيح القائم من الموت ضرب لنا موعداً في كنيسته . فهي كما نعلم ، سر المسيح كما أن المسيح هو سر الآب . لا إيمان حقيقياً بالمسيح يسوع لمن يرفض أن يدخل في كنيسة المسيح . فلا نزعمنّ أننا نلتقيه في الناس إذا رفضنا أن نتعرف إليه في مجموعة خاصته التي أسسها عند قوله : هاأنا معكم طول الأيام حتى انتهاء العالم . ( متى 28/20 ) . من خلال علامة هذه الأسرار الحسية ، يرى الإيمان المسيحي الرب حاضراً شخصياً وجسدياً . في كل سر نحن نتصل بالمسيح المحيي بطريقة حقيقية وجسدية وإن مختلفة في كل سر . الإيمان بالمسيح يفترض إذاً ممارسة الأسرار ، كما أن الإيمان بالخبز يفترض الأكل . الإيمان المسيحي بحاجة إلى طقوس الأسرار إذ فيها يعطينا المسيح القائم من الموت موعداً . الأسرار هي للمؤمنين … ليست الأسرار للأطهار ، لم يأت المسيح للأطهار بل للمؤمنين فأول كنيسة مع المسيح هي كنيسة خطأة ، هم كل شيء ولكن لا أطهار ، لكنهم مؤمنون ، وكنيسة المؤمنين لم تكن يوماً كنيسة الأطهار ، وكنيسة الأطهار لم تكن إلا نادراً كنيسة المؤمنين ، فالأسرار هي احتفال الإيمان هي أسرار إيمان . والإيمان بالمسيح ليس فقط الإيمان بالله ، وإلا لكان اليهود والمسلمون والوثنيون مسيحيين … الإيمان المسيحي هو في جوهره الإيمان " بالمسيح " مخلصاً : إيمان صريح بيسوع الإله الذي مات وقام لاجل خلاص البشر . فالكنيسة ترغب بحرارة أن توصل المؤمنين إلى المسيح ، والأسرار هي احتفالات بحضور المسيح وعمله .
الكلمة هي الأولى
الشيء الوحيد المشترك في مجمل الأسرار هي العبادة التي تعبر عن المعنى : الأسرار تتطلب الكلمة لكي تقول ما يحقق الله في السر . وكلام الأسرار هذا هو كلمة الله ، كلمة الله الحاضر الذي يدعو ويلتزم بنا ويغيرنا ، كلمة وكلمة الله لا تخدع أبداً . كل كلمة إلهية هي عمل إلهي . لا نفتش عن فاعلية السر خارجاً عن هنا . هذه هي القوة التي أظهرها المسيح في علامات الإنجيل : قم وامش … طاليتا قومي … اذهب فابنك حي . هذا هو جسدي ، هذا هو دمي … هذه هي الكلمة في كل الأسرار . وكلمة الله هذه هي بهذه القوة لكونها شخصاً ، ابن الله ، الكلمة . فالكلمة هي ذاتها شخصياً معنى العلامات ، والمسيح هو دائماً هنا شخصياً وهو القدوس ، فلا نفتش عن كاهن قديس … وليس المهم التنقل من قداس إلى قداس ومن حَلة إلى حَلة كما لو أن الأسرار قد ضعفت فاعليتها ، المهم أن ندع السر يعمل فينا ، وهذا يتطلب إيماناً وإنصاتاً ووقتاً … والوقت هنا وقت الاحتفال ، لكن يجب أن يوجهنا إلى زمن لا ينتهي . يوم الاحتفال ، يعيش الزوجان ملء زواجهما ، ومع ذلك يلزمهما سنون طويلة ليحققا ملء السر ، ليكتشفا كيفية حضور القائم من الموت في كل حياتهما . الأسرار فينا " ينابيع تتدفق للحياة الأبدية " ( يو 4/14 ).
بما أني أحب الابن ،
صرت ابناً بدوري ،
من اتحد بالحي الذي لا يموت ،
لا يجوز الموت عليه .
من وضع مسرته في الحياة .
صار هو أيضاً من الأحياء .

1-العـماد
اندماج في موت يسوع وقيامته
الأب منير سقّال



مقدمـة
" وهكذا قد طعم البشر بالعماد على سر المسيح الفصحي : فماتوا معه ، ودفنوا وقاموا ، ويقبلون روح تبني الأبناء ( الذي به ندعوه أبانا ) ( روم 8/15 ) ويصيرون هكذا عبدة حقيقيين يبحث الآب عنهم " ( ل 6 ) . "
هل تعلم ما " العماد " ؟ ما معنى " عمّد " ؟ اطرح السؤال على أول طفل تلتقيه ، فالجواب معروف . عمّد يعني صرنا مسيحيين ، أو ، دشّن . وقد أخذنا اسماً لأننا اعتمدنا . فالعماد كسر ، هو للمسيحي بدء . هو باب الدخول في الكنيسة ، باب الخلاص ، باب سائر الأسرار . إنما علينا أن ننظر أولاً إلى الموضوع من عل . لنعد إلى البدء .
في البدء خلق الله الإنسان على صورته ومثاله ، وقد سبق وأعد له بمحبة مهد البشر " وروح الله يرف على المياه " ( تك ) ، فكان الإنسان غارقاً ومعمداً بمحبة وعطف الله ويعيش من روحه . وهو لم يخلق الإنسان إلا ليحبه، لكي يجعله يحيا بحياته ، يحيا حياة إلهية ، يحيا إلى الأبد ، وهذا ما ندعوه الخلاص . وهذا لا يعطينا شيئاً بل يغيرنا ، يحولنا إلى كائن جديد ، إلهي . هذه الحقيقة الجديدة هي " الاشتراك في الطبيعة الإلهية " ( 2 بطر 1/4 ) ، كيف ذلك ؟ من المسيح . نحن مدعوون لنصير واحداً مع المسيح : ابن الله ، وحيد الآب ، لنصير واحداً معه ، في كيانه ، في حياته ، في موته وقيامته . من هنا أهمية اللقاء بالمسيح يسوع والتحول معه إلى شخص واحد . سر اللقاء هذا يتم في الكنيسة سر المسيح ، نلتقي به في طقوس الأسرار وفي العماد أولاً . سر الولادة إلى الحياة الجديدة. وهذه الولادة هي إذن قليل من الماء وكثير من الروح القدس ( لقاء يسوع مع نيقوديمس ) وليس بمقدور الماء الحلول محل الروح ، فالروح يهب حيث يشاء ، وهو يريد أن يخلص جميع البشر .
أسماء سر المعمودية
لهذا السر العظيم المقدس أسماء متعددة استعملها الآباء القديسون للدلالة على مفعولها الظاهري والباطني ، وهذا أهمها :
سر المعمودية
إن الفعل باليونانية يعني " غطس ، غسل " فالعماد تغطيس أو غسل ، ورمزية الماء كعلامة تطهير أو حياة ، كثيرة الشيوع في تاريخ الأديان ، فلا غرابة إن وجدناها في الأسرار الوثنية ، إلا أن أوجه الشبه بينها وبين السر المسيحي خارجية فقط ، ولا تتصل بالحقائق العميقة . " شاءت رحمته أن يخلصنا بغسل الميلاد الثاني والتجديد الآتي من الروح القدس " ( تي 3/5 ) ، " اغسلني فأبيض أفضل من الثلج " ( مز 50 ) . ويقول القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنتس ( 10 ) : لا أريد أن تجهلوا ، أيها الأخوة ، أن آباءنا كانوا جميعهم تحت حماية الغمام ، وجميعهم عبروا البحر وجميعهم تعمدوا لموسى في الغمام وفي البحر . معنى هذا أن الخلاص الشامل هو في المسيح " وكانوا يشربون من صخرة واحدة : " المسيح " ، في موته وقيامته ، مركز الكون الحي بالنسبة إلى ما قبله و إلى ما بعده . فالكل قد " غطس " في حدث الخلاص ، في يسوع المسيح ، هذا السر يوضحه عماد الماء ولكنه ليس ملك الذين يحتفلون به ، فهذا " لأجل كثيرين " .
حدث الخلاص هذا هو عماد دم يسوع المسيح ، الذي هو عماد العالم . " أتستطيعون أن تشربوا الكأس التي سأشربها ؟ وان تعتمدوا بالعماد الذي سأعتمد به ؟ " ( مر 10/38 ) سوف يسيل دمي عليّ ، وأنا غاطس في الموت والقبر ، هذه الساعة هي ساعتي ، هي عماد سيد العالم ، إذاً ساعة عماد العالم ، سوف يغطس جميع البشر في حدث الخلاص هذا ، سوف يغطسون مع المسيح وفي يسوع المصلوب ويلاقونه بالقيامة : " هذا ليس فقط بالنسبة إلى الذين يؤمنون بالمسيح ، بل بالنسبة إلى جميع الناس ذوي الإدارة الطيبة الذين تعمل النعمة في قلوبهم بنوع غير منظور ، إذ بما أن المسيح مات عن الجميع وبما أن دعوة الإنسان الأخيرة هي حقاً فريدة ، أي إلهية يجب أن نؤمن بأن الروح القدس يقدم للجميع ، بشكل يعرفه الله ، إمكانية اشتراكهم في السر الفصحي . " ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) .
سر الاستنارة
الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي ، وان يعرفوا من أرسلت ، يسوع المسيح . " ( يو 17/3 )
إن النعمة عاجلاً أم آجلاً ستوعي الضمير في هذا العالم أم في الآخر ، وهذه النعمة تستدعي جواباً حراً فتخلق " معرفة " – " استنارة " . وهذا هو بالضبط الاسم الذي كان الأقدمون يعطونه لعماد الماء ، في العماد يكتشف الإنسان وجه المسيح ويصبح السيد بالنسبة إليه ، فيه تنكشف صداقة الله تدريجياً للإنسان من خلال قلب المسيح ، وهذا الكشف لا يتم من دون الآب والروح ، هذا الكشف يتم في الكنيسة وبالكنيسة . لها أعطى المسيح رسالة ونعمة " اذهبوا وتلمذوا وعمدوا … " ( متى 28/19 ) ، والكنيسة بالمعمودية تدخلنا في سحابة النور ، أساس الاكتشاف والمعرفة ، أي الشركة في صميم الحياة الإلهية ، ونصبح حقاً أبناء النور ، أي المسيح الذي قال : أنا نور العالم . " فالمسيح إذاً هو وحده الوسيط وطريق الخلاص ، هو حاضر معنا في جسده الذي هو الكنيسة ، من هنا ضرورة الكنيسة ذاتها حيث يدخل الناس من باب العماد . " ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) .
سر الولادة الثانية الجديدة
هكذا دعاه يسوع إذ قال : " إن لم تولدوا ثانية بالماء والروح فلن تدخلوا ملكوت السماء " إن هذا السر هو بدء الحياة الحقيقية ، فتهيئ الإنسان بكامل كيانه للحياة السعيدة التي يهبها الله للذين يحبونه ، كما يتكيّف المولود الجديد للحياة التي سيعيشها على الأرض . فالولادة الجديدة هذه تفترض ما تفترضه الولادة الطبيعية أي أنها عطية مجانية من الله " محبة الله لنا في هذا أننا لم نكن نحن أحببنا الله أولاً ، بل هو أحبنا ، فأرسل ابنه كفّارة عن خطايانا. " ( يو 4/10 ) المعمودية هي ولادة ثانية لأنها خلق جديد ، خلق يحدثه المسيح بفضل آلامه وموته وقيامته : " وعليه فإن كان أحد في المسيح ، فهو خليقة جديدة فالقديم قد اضمحل ، وكل شيء قد تجدد " ( 2 كور 5/17 ) .
مفاعيل سر العماد
" لقد غدونا بالعماد شبيهين بالمسيح " لأننا جميعاً قد اعتمدنا بروح واحد لنكون جسداً واحداً " ( 1 كو 12/13 ) ، فهذا الطقس المقدس يرمز إلى وحدتنا مع موت المسيح وقيامته ويحققها " ( ك 7 ) .
بالعمـاد نصبح شعب الله ، أبناء الله " بالتبني " ( غل 4/5 ) ، لا صورياً بل حقاً : انظروا أية محبة منحنا الآب حتى ندعى أولاد الله ، ونحن في الواقع كذلك ( 1يو 3/1 ) . ومن خصائص العماد أنه : توبة :
توبة إلى يسوع في الإيمان ، التوبة في يسوع في حياة جديدة . عبور إلى حياة القائمين من الموت .
دعوة إلى اسم يسوع :
لم يعد يوحنا هو الذي يعمد لمغفرة الخطايا ، بل هو يسوع الذي يعمد لكي يعطي الروح وحياة القائم من الموت .
يتم بالروح القدس :
الذي هو عطية المسيح المائت والقائم من الموت . فالمعمد تغطّس في الحدث الأساسي الذي هو فصح المسيح : موته وقيامته وعودته إلى أبيه من حيث يرسل .
وهو يتم بالكلمة :
التي تعني عطية الله وبالعمل الرمزي – الماء – الذي تغنيه وتجعله " كلمة منظورة " .
انضمام إلى الشعب الجديد :
الذي بدأ يوم العنصرة .
" وهكذا – كما يقول رتزنغر – بإمكان ماء العماد أن يمثل سر الصليب وان يعيد اختبارات الموت والخلاص ، وهذه الاختبارات تبشر بالصليب ، مركز كل تاريخ الخلاص ، فالعماد هو أكثر من اغتسال وتطهير ، وان كان هذا المعنى متضمناً في رمز الماء ، العماد باسم يسوع المصلوب يتطلب أكثر مما يقدر الغسل البسيط أن يحقق ، ابن الله الوحيد الذي مات وقام . "
العماد هو الدخول في العائلة
عندما نقتبل العماد ، ندخل في الكنيسة . ولد في العائلة إنسان جديد ، حجر جديد أضيف إلى بناية جسد المسيح هذه التي هي الكنيسة . هذا أهم ما في العماد : الدخول إلى وفي عائلة الله ، أي في جماعة يسوع المسيح ، الكنيسة. في هذا الصدد يجب تصويب بعض الأفكار التي تشدد على محو الخطيئة الأصلية . يقول رتزنغر : العماد يؤسس جماعة تحمل اسم الآب والابن والروح القدس ، هذه الجماعة تعني انهم يؤلفون من الآن فصاعداً وحدة جديدة ، وتجعلهم يسكنون معاً . فالعماد أساساً هو الدخول في عائلة الله . وقد تكلم المجمع الفاتيكاني خمس عشرة مرة على العماد دون أن يذكر مرة واحدة الخطيئة الأصلية ويقول :
بالعماد يصبح الإنسان واحداً من الابن والقائم من الموت : يصبح عضواً للمسيح . يقبل إذاً الروح البنوي الذي به يصبح ابناً لله ، وهو يشرك المعمّد في كهنوت المسيح الملكي والنبوي ، ويكرسه بطابع العماد ، هذا الطابع – العماد – الذي لا يمحى هو علامة سرية تجعله شبيهاً بالمسيح وعضواً في الكنيسة : إنه طابع العائلة . وبكلمة : اندمج المعمّد الجديد بالابن ، في شراكة الاقانيم الإلهية الثلاثة وفي جماعة المؤمنين المنظورة أي شعب الله .
الخطيئة الأصلية
لو حددنا أن العماد هو " السر الذي يمحو الخطيئة الأصلية " لابتعدنا عن الحقيقة . هذا اللاهوت الخاص بالخطيئة الأصلية وبالعماد ليس تقليدياً في الكنيسة ولا يجد جذوره في الكتاب المقدس ، بل علمه القديس اغسطينوس : العماد يمحو الخطيئة الأصلية التي تطبع كل إنسان منذ ولادته . نحن لا ننكر الخطيئة الأصلية ، ولكن اقتصار العماد على محو الخطيئة الأصلية يؤدي إلى طريق مسدودة وإلى التباس . بينما يجب أن ننظر إلى الناحية الإيجابية . فالنور هو الذي يرينا الظلمة إذ يخلصنا منه ، فالاتحاد الذي يدخلنا فيه العماد يكشف التفرقة التي يجنبنا إياها . " المعمودية هي … رباط الوحدة السري القائم بين الذين تجددوا به " ( ح م 22 ) ، العماد إذاً هو أصلاً الانتماء إلى جسد المسيح، إلى العيلة الإلهية " أبناء حبل بهم من الروح القدس ومولودون من الله " ( ك 64 ) ، هذا الانتماء هو المفعول الأول وهو الذي يمحو الخطيئة الأصلية ، كما أن حلول النور هو الذي يقصي الظلمة ، كما يمحو الخطايا الشخصية عند البالغين لكن الميل إلى الشر يبقى في المعمدين .
العماد انضمام إلى الوحدة المسيحية
إن الإنجيل يظهر لنا المسيح يؤلف حواليه جماعة مؤمنين وأخوة يربيهم على المحبة ، ويترك لنا كنيسة رسالتها أن تكون علامة الخلاص . والخلاص هو أن نبني الوحدة ، وحدة الروح القدس بين أفراد البشرية كما هي بين الاقانيم الثلاثة ، يشهد بذلك كتاب أعمال الرسل " وانضم في ذلك اليوم … وكانوا كلهم متحدين … برأي واحد … وكان الرب كل يوم يزيد عدد الذين أنعم عليهم بالخلاص ( 2/41 – 47 ) ، ويذكرنا بولس الرسول " أننا تعمدنا في روح واحد لكي نؤلف جسداً واحداً " ( 1 كور 12/13 ) ، وكما يقول القديس يوحنا العماد يطعمنا على المسيح لكي نؤلف معه ومع بعضنا البعض الكرمة الواحدة ذات الأغصان العديدة . فالعماد نعمة اتحاد " وحدة مع " . به ندخل في وحدة مع الروح الذي يضعنا في وحدة حياة مع الآب والابن الذي هو أخونا ، هذا الروح هو هذا الاتحاد بالذات ، يجعلنا بنين وبنات لوالد هذه الحياة السرية التي هي حياة الابن بالذات ، عطاء يفيض من حب الله . هذا الاتحاد بالآب وبالآخرين هو الذي يمحو الخطيئة بطريقة آلية كما يمحو الاتحاد الانقسام .
العماد يشركنا في موت المسيح وقيامته المجيدة
" هل تجهلون أننا جميع من اعتمدوا للمسيح ، قد اعتمدنا في موته ؟ فلقد دفنا معه بالمعمودية لنموت فنحيا حياة جديدة ، كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب . فإذا اتحدنا به في موت يشبه موته فكذلك تكون حالنا في قيامته . " ( روم 6/3 و 4 ) ، أن العماد يميت ويخلص في آن واحد ، هو الطوفان المهلك ومخلص نوح ومن معه، هو الصليب الذي نموت عليه لنحيا مع المسيح . أنه موت رمزي لا حقيقي كموت الجسد ، فعندما يغطّس المعتمد يعني أنه مات ودفن ، مات لنوع من الحياة ، حياة الجسد ، فيتقبل سر الصليب فيعلق على المسيح بمساميره فلا ينسلخ عنه . وخروجه من تحت الماء يعني قيامته من الموت ، قام لنوع آخر من الحياة ، حياة النعمة ، نزل إلى الماء وهو إنسان العالم ، إنسان الموت ، وصعد من الماء وهو إنسان المسيح القائم من بين الأموات ، انه اصطبغ أي تغير شكله : نحن الذين اصطبغنا في يسوع المسيح اصطبغنا في موته … " فلست أنا أحيا بعد ، بل هو المسيح يحيا فيّ . " ( غل 2/19 ) .
قابل السر وشَرطَي القبول
إن العماد هو لكل إنسان ، لان الله خلق الإنسان ليحبه ويظهر فيه عجائب رحمته ، ومحبته هي إرادته " بأن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون " ( 1 تي 2/4 ) . والشرطان الأساسيان هما : الإيمان بيسوع المسيح والكنيسة . فالإيمان بالمسيح شرط أساسي لصحة السر وهذا من المنطق لأن المعمودية تجعلنا مع المسيح جسداً واحداً ، تصهرنا بذاته وتشركنا بحياته . والشرط الثاني : أن يؤمن المعتمد بالكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية ، لأنه بالعماد يدخل المعتمد في شعب الله ، يدخل في العائلة المقدسة التي هي الكنيسة التي أسسها المسيح كسر الخلاص ، فضلاً عن ذلك لا نستطيع أن نعرف المسيح على حقيقته إلا في الكنيسة وبالكنيسة . " وانهم ينتمون إلى المسيح ، لانهم في حضن الكنيسة تجددوا بالعماد والإيمان ، ليكونوا للمسيح بحياتهم وأعمالهم الجديدة . " ( ن ر 21 ) .
معمودية واحدة
" هناك جسد المسيح الواحد ،الكنيسة ، وروح واحد ورجاء واحد للجميع ورب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة . " ( افسس 4/4 ) .
" الحق الحق أقول لكم ما من أحد يعاين ملكوت السماوات ما لم يولد من الماء والروح . " ( يو 3/5 ) .
إن كان الله يريد أن يخلص جميع الناس وان كان قد بذل نفسه فداء عن الجميع ، وان كان العماد ضرورياً للخلاص ، هل يعني ذلك أن الخلاص يستحيل على من سبقوا المسيح ومن ، بعده ، لم يسمعوا شيئاً عنه ولا عن العماد ؟ تكلم المسيح عن الماء والروح ، إننا نعرف أين يتجه الماء وهو رهن الجاذبية ، أما الروح " فيهب حيث يشاء " لا نعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب ، هذه هي حالة المولود بالروح . وهذا الروح هو الذي يقود العالم إلى الخلاص كيفما شاء .
إنها معمودية واحدة ، إنما لهذه المعمودية الواحدة ثلاث صيغ :
معمودية الدم :
الاستشهاد . هذه هي المعمودية " المسيحية " التي عاشها المسيح في آلامه " عليّ أن أقبل معمودية الآلام وما أضيق صدري حتى تتم " ( لو 12/50 ) هو نموذج العماد ، إذ هو قمة الحب وشهادة الإيمان " اغتسل " بدمه، أعطى حياته . ما من حب أعظم من هذا …
معمودية الماء :
العماد الطقسي الرسمي .معمودية الشوق :
أو معمودية الصدق كما يقو اللاهوتي زندل ، هذا العماد لا يتطلب أية معرفة واضحة بيسوع المسيح أو بالكنيسة أو بعماد الماء . هو عماد الروح وحده الذي يهب حيث يشاء ويوحي لكل أحد بدء إرادة طيبة ، وهو خاصّة كل الذين لا يرفضون بعناد ما يصل إليهم من نور . يقول المجمع " هذا ليس فقط بالنسبة إلى الذين يؤمنون بالمسيح ، بل بالنسبة إلى جميع الناس ذوي الإرادة الطيبة " ، إذ أن غالبية الناس لن يعرفوه في هذه الحياة . وعماد الشوق هذا ، هو غير الشوق إلى العماد ، لأن البشرية التي لم يصلها الإنجيل لا تعرف العماد . ولكي " يغطس " جميع هؤلاء الناس في حدث الخلاص ، أي لكي يعتمدوا بالشوق ، يكفيهم بعض الضمير . ذاك الذي يدعو كل إنسان لكي يصنع ما يظن أن من واجبه أن يصنعه . كل إنسان يتبع ببساطة ضميره هو معمّد بعماد الشوق . لأن هذه الأنوار ، مهما كانت ضعيفة هي عملياً إرادة الله في حياته . ومن يعمل الحق يأتي إلى النور .
هذه التأكيدات ليست ثانوية ولا نتردد في إقتبالها ، فإذا كان المعمدون في الماء هم وحدهم في المسيح يسوع ، فهو ليس إذاً مخلص أكثرية الناس ، ليس سيد هذا العالم . " حقاً إن الله ، لكونه خالقاً ، هو أب . ولكونه خالق الجميع وكلاّ بمفرده ، " الله هو أب للجميع وأب كل بمفرده ، يملك على الجميع ويعمل في الجميع ويسكن في الجميع." ( افس 4/6 ) للجميع بمفرده يعطي ابنه المتجسد كأخ في الإنسانية وكقائد إلى الخلاص ، للجميع ولكل بمفرده يعطي هذا الابن حياته ودمه وموته ، إلى الجميع وإلى كل بمفرده يرسل هذا الابن القائم من الموت روحه . كل إنسان ، في يوم من الأيام ، أجاب " نعم " بحسب الأنوار المعطاة له ، يدخل في عهد الخلاص . لذلك لا يتلكأ الروح عن الهبوب في كل مكان يرجو أن يخلق فيه قليلاً من الإيمان ، هذا الإيمان الغامض الذي ندعوه الإرادة الحسنة حتى إن كل من آمن يجد الحياة الأبدية .
عماد الأطفال
" يقترب طالبو العماد من المياه التي يجب أن تكون جارية ونقيّة ، ثم يخلعون ملابسهم ، ويعمّد الأطفال أولاً ، وإذا استطاع هؤلاء أن يجيبوا عن أنفسهم فليكن ، وإلا فيجيب ذووهم أو أحد أفراد أسرتهم عنهم " ( أقدم النصوص المسيحية ، التقليد الرسولي ، القرن الثالث ) .
عماد الأطفال درجت عليه الكنيسة المقدسة منذ العهد الرسولي حتى أيامنا . ومن بين الآباء قال القديس ايريناوس : إن المسيح أتى بشخصه إلى الأرض ليخلص البشر جميعاً دون استثناء ، أي كل الذين يولدون به ثانية لله، أي الرضّع والأطفال والأولاد والشباب والشيوخ .
- أما تصدي بعضهم لعماد الأطفال بحجة أن الطفل قد ينفسد بعد عماده عند بلوغه سن الرشد ، فهي حجة واهية، لأنه قد يحصل أيضاً أن بعض من قبلوا العماد راشدين ينفسدون أو يجحدون الإيمان .
- والذين يتذرعون بأن لا ذكر في العهد الجديد لوجوب عماد الأطفال ، نقول لهم أن الكتاب المقدس لا يحرمهم منه ، بل على نقيض ذلك يقول المسيح : دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم . ثم باركهم ووضع يديه عليهم .
- أما من يحتج بأن لا إيمان لهم شخصي ، فيجيب المجمع : ولئن كان الأطفال لا يستطيعون الجهر شخصياً بإيمانهم ، فذلك لا يمنع الكنيسة من أن تمنحهم هذا السر على إيمانها هي ، هذا الإيمان المتمثل في شخص العراب .
- ويعترض البعض مدعين أن معمودية الأطفال تشكل خرقاً لمبدأ الحرية فمن التعدي على كرامة الإنسان أن تفرض عليه للمستقبل واجبات دينية قد يضطر فيما بعد إلى رفضها ، فعلى الأهل الوقوف على الحياد والامتناع عن كل ضغط .
إن لفي هذا الموقف ضلالة ، إذ لا وجود لحرية بشرية صرف ، لا تقيدها أية شروط ، فحتى على الصعيد الطبيعي ينوب الأهل عن أولادهم في اختيارات لا بد منها لحياتهم ولتوجيهها شطر القيم الحقيقية . فهذا الموقف الحيادي اختيار سلبي يحرم الطفل خيراً جوهرياً . وننسى بالأخص ، عندما ندعى ذلك ، إن كل إنسان حتى غير المعمد عليه التزامات نحو الله لا يمكن انتزاعها ، تأتي المعمودية فتؤيدها وتثبتها وتسمو بها إلى التبني الإلهي إلى حرية مجد أبناء الله . ومن الواضح أن الطفل – وقد بلغ سن الرشد – يمكنه أن ينكر الإلزامات الناجمة عن المعمودية . على الأهل آنذاك أن لا ييأسوا ، فبالرغم من الظواهر ، لابد لبذور الإيمان الموضوعة في نفسه من أن تعود إلى الحياة ، ولسوف يساعد الأهل على ذلك بصبرهم وحبهم ، وبصلاتهم وشهادة إيمانهم الأصلية .
- في حال وجود اهلين قليلي الإيمان أو يمارسون شعائرهم الدينية في المناسبات أو حتى اهلين غير مسيحيين … في هذه الحال يجتهد الكاهن بحوار بعيد النظر ومليء بالتفاهم في إذكاء اهتمام الاهلين بالسر الذي يطلبون . فالكنيسة لا يمكنها النزول عند رغبة مثل هؤلاء الأهل إلا إذا أكدوا أن الطفل ، بعد معموديته سوف يحظى بالتربية التي يستدعيها السر . ولها أمل وطيد بأن المعمودية سوف تعطي ثمارها .
… والآن يا رب ، أنظر بحب إلى كنيستك وفجر فيها نبع العماد ، وبهذه المياه فليعط الروح القدس نعمة المسيح لكي يغتسل الإنسان ، المخلوق على صورتك ، من الادناس التي تشوه هذه الصورة ، وليولد من الماء والروح لحياة أبناء الله الجديدة … نسألك ، يا رب ، بنعمة ابنك ، أن تأتي قوة الروح القدس على هذه المياه لكي ينهض للحياة مع المسيح كل من يعتمد ويدفن مع المسيح ، بيسوع المسيح ربنا ، آمين

سر الميرون أو التثبيت
الأب منير سقّال


مقدمـة" وأنا اسأل الآب فيعطيكم معزياً آخر ليقيم معكم إلى الأبد . وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم كل ما قلته لكم " ( يو 14 : 16 – 26 ).
سر الميرون أو التثبيت هو أحد أسرار العهد الجديد السبعة ، ويجب أن يعرف كتكملة سر العماد وهو يطبع كالعماد وسر الكهنوت طابعاً لا يمحى . فالروح يعطى كعطية خاصة ، مميزة عن نعمة التوبة وهذه العطية تدعى ، في اللغة الكتابية " نضح " ، " ختم " ، للذي تعمد ، وتدخله في شركة عطية العنصرة ، ومواهب الروح التي في الكنيسة . وكما أن نعمة العماد تقلع الإنسان من شريعة الخطيئة والموت ، فإن نعمة التثبيت هي حقاً للكنيسة نعمة لتقوم برسالتها تجاه العالم وتعلن للّه تمجيده الآتي . فما هو دور كل منا ومهمته الخاصة في نشر هذه النعمة ، الله وحده يقرر ذلك بدعوة خاصة وبتوزيع مواهب الروح القدس التي ليست سوى أجزاء مختارة لتجلي الروح الوحيد الفريد الذي يقبله الكل في التثبيت . فالتثبيت إذاً هو امتداد واستمرار للعنصرة الأولى ، وهو نداء لنشر ملكوت الله والرسالة الخلاصية . . هو العلامة أن ملء الروح القدس قد أعطي لشعب الله كافة ، ملء الروح ، لملء الكنيسة ، وهذان كلاهما يجعلان من التثبيت سراً مميزاً ، مع أنه لا ينفصل عن العماد و الافخارستيا ، " أفيض روحي على كل إنسان " هذا هو سر التثبيت . لا نستنتجنّ أن بقية الأسرار لا تعطي الروح القدس بنوع أو بآخر . لكن التثبيت يعطي ملء الروح . ولكن ما هو الروح ؟
الريح المتكلم
أخذ الابن وجه إنسان وكلماته وحركاته ونظره وسكوته . و الآب ؟ هو أب هذا الابن والابن هو سر أبيه كله " من رآني فقد رأى الآب " ( يو 12/9 ) ونحن نعرف العلاقة بين الآب والابن ونعيشها . والروح ؟ لا وجه له … ليس مادياً ، لا يمكن إمساكه بأية وسيلة ، كلي القدرة ويفرض ذاته بوضوح ، كالريح " الريح تهب حيث تشاء . تسمع صوتها لكن لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب " ( يو 3/8 ) . لكن هذا الروح ليس محض صفة ليسوع : إنه شخص ، هو الريح التي تتكلم والتي تعلم الأبانا للذين يصغون إليها وتجعلهم أبناء الله حقيقة ومن الداخل . نحن هنا في ملء نعمة التثبيت : إعطاء الآب عائلة بنين وإعطاء الابن عائلة أخوة يؤلفون فيما بينهم شراكة فسيحة هي علامة للعالم : الكنيسة . كل ما يرمز إلى الروح – الريح ، الماء ، الهواء ، التنفس – وجه له . هي الريح التي كانت ترف على الهاوية في اليوم الأول للخليقة ، والتي ظلّلت مريم في اليوم الأول للفداء ، هي التي حلت على يسوع يوم عماده ويستعملها كاملة لرسالته . هي بكاملها قدرة الحب لأن الله محبة ، قوة الحب هذه التي لا تقهر نقلها يسوع إلى جميع أتباعه : " ستنالون قوة هي الروح القدس " . ( أع 1/8 ) . امتلئ منها يوم تجسده وذلك لحياته ولرسالته . والآن عند نزاعه ، يسلم الروح يعطي الروح لكل شعبه " لقد ارتفع بيد الله في قيامته وصعوده لأنه قبل من الآب الروح الموعود به " – للآخرين هذه المرة – " فأفاضه " ( أع 2/33 ) ، هذه هي العنصرة هذه هو التثبيت . فالروح سيفاض من دون حساب أو أي بخل ، سيفاض على الشعب كله من دون تمييز أو طبقة اجتماعية ، سيتكلم الله بفم الكبار وبفم المساكين أيضاً والروح سيملئ الجميع مواهب نبويّة ( أي التكلم عن الله ) .
يوم العنصرة
لما حلّ يوم العنصرة كانوا مجتمعين جميعهم ، حوالي مئة وعشرين شخصاً ، نساءً ورجالاً ، على رأسهم الرسل ومريم في الوسط . ماذا كانوا يفعلون ؟ " كانوا جميعهم مواظبين على الصلاة بصوت واحد " ( أع 1/14 – 15 ، 2/1 ) . لم يحلّ الروح على أفراد بل على جماعة … على جماعة " مجتمعة مع الرسل ومريم " ، على جماعة تصلي بصوت واحد . وبغتة حلّ الروح . ريح ونار ، حقيقتان لا وجه لهما ، كان يوحنا قد تنبأ عنهما : " فهو يعمدكم في الروح القدس والنار " ( متى 3/11 ) . هذه الريح لغّتهم جميعاً وليس فقط الأحد عشر ، واستقرت ألسنة النار على كل منهم ، كل منهم إذا يقدر أن يقول كلمة إلهية ، في كل منهم يجب أن ننصت إلى الروح ، لكل منهم مواهبه ورسالته ونعمته ومسؤولياته . إنه وعد الآب ووعد الابن ، إنه عطية الآب وعطية الابن " لكي يبقى معكم إلى الأبد " ( يو 14/16 ) .
تثبيت العماد
أسرار التنشئة المسيحية الثلاثة – العماد والتثبيت والافخارستيا – تؤلف كلاّ لا يتجزأ . إنها تتسلسل بحيث أن أحد هذه العناصر لا يأخذ قيمته الكاملة إلا إذا لاحظنا العلاقات التي تربط واحدها بالآخر . كانت الكنيسة تمنح معاً العماد والتثبيت من دون أن تطرح أية قضية ، منذ قرون ( القرن الثاني عشر ) راح الغرب يميز ويفرق بينهما ، الشيء الذي لم تصنع به الكنيسة الشرقية حتى اليوم فأعطت العماد والتثبيت معاً . وغالباً ما يعطى الطفل بعض نقاط من الدم الكريم : عماد وتثبيت و افخارستيا . العماد يعطي الروح والتثبيت يعطيه كاملاً . هذان السران يتطلب واحدهما الآخر . كما الولادة تتطلب النمو ، والحياة تتطلب الصحة . ويضعنا القديس بولس على الطريق : لقد تعمدنا جميعاً بروح واحد " – هذا هو العماد – " وارتوينا جميعاً من روح واحد " هذا هو التثبيت – تثبيت العماد . لما وصل بولس إلى أفسس ، التقى تلاميذ المعمدان : فعمدهم باسم الرب يسوع ثم وضع عليهم الأيدي ليهبهم الروح ، ( أع 19/1-6 ) . طقسان مختلفان لإعطاء نعمتين مميزتين لكن متكاملتين . وجهان لأيقونة واحدة . ويميز القديس بطرس بين " العماد باسم يسوع وموهبة الروح القدس ( أع 2/38 ) . هذا الربط بين أسرار التنشئة المسيحية كان هدف المجمع الفاتيكاني الثاني إذ قال : " يجب إعادة النظر في طقس التثبيت لتظهر بوضوح العلامة بينه وبين التنشئة المسيحية ككل . " ( الليتورجيا المقدسة ) .
العماد والتثبيت
قد يقول البعض : ما دمنا قد مُنحنا الروح القدس في العماد فلماذا مَنحُنا إياه مرة أخرى في التثبيت ؟ إن سر التثبيت يكمّل العماد ويرسخه :
- العماد يحيينا ، إذ هو يدخلنا في العائلة الإلهية بصفة أبناء الله وبنات … أما التثبيت فإنه يجعلنا نُحيي غيرنا بالشهادة المسيحية وإشعاع الحياة التي فينا .
- بالعماد يَسِمنا الآب بشبه صورة ابنه ، أما التثبيت فإنه يرسلنا لنتلمذ كل الأمم وفي شهادتكم هذه " لستم أنتم المتكلمين بل هو روح أبيكم المتكلم فيكم " ( متى 10/20 ) .
- بالعماد نصبح تلاميذ يسمعون الكلمة ليعملوا بها ، بالتثبيت نصبح " أنبياء " يذيعون كلمة البشارة في بيئتهم الحياتية والعملية .
- بالعماد نكفر بالشيطان وأباطيله ، بالتثبيت نتجدد بالروح القدس ، " أنزع من لحمكم قلب حجر وأعطيكم قلباً من لحم . واجعل روحي في أحشائكم ، وتكونون لي شعباً وأكون لكم إلهاً " ( حزقيال 36/26 – 28 ) .
- بالعماد تصبح لنا " كنيسة عائلة روحية نستفيد من خيراتها المتنوعة ، بالتثبيت تصبح لنا " كنيسة " رسالة ينبغي لنا أن ننقلها إلى العالم .
- بالعماد نلبس المسيح ليعيش فينا ، بالتثبيت نشع المسيح ليعيش في الآخرين .
- بالعماد نعلن الحقيقة الإيمانية ، بالتثبيت نتعمق فيها لنفهمها الفهم الكامل ، " حين يجيء الروح ، روح الحق ، هو يقودكم إلى جميع الحق ويطلعكم على ما سيكون " ( يو 16/13 ) .
- بالعماد يسكن الروح القدس في نفوسنا ، بالتثبيت يزينها ويجملها ويغنيها بمواهب خاصة .
- العماد يتم بالروح القدس ، التثبيت يمنحنا ملء الروح القدس . هذه العلاقة المكملة بين التثبيت والعماد واضحة تماماً في ممارسة الكنيسة الأولى " لما سمع الرسل أن السامريين قبلوا كلمة الله ، أرسلوا إليهم سمعان بطرس ويوحنا . فانحدرا وصليا عليهم ليقبلوا الروح القدس ، لأنه لم يكن قد حلّ بعد على أحد منهم ، ولكنهم كانوا قد اعتمدوا باسم ربنا يسوع المسيح ، فوضعا عليهم الأيدي فقبلوا الروح القدس " ( أع 8/14 – 17 ) .
مفاعيل سر الميرون أو التثبيت
أي شيء يختلف سر التثبيت في فاعلياته الخاصة عنها في سر العماد ؟ " … المسيح الذي فيه أنتم دعيتم بعد أن سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم . وفيه بعد أن آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى ، لمدح مجده . " ( افسس 1/13 – 14 ) .
لقد أجمع الآباء والقديسون ومعلمو الكنيسة منذ العهد الرسولي ، أن سر الميرون أو التثبيت يميّز المعتمدين بالنعم الخاصة الآتية :
- يمنح الروح القدس بالذات ، أي شخصه الإلهي ، المتميّز عن الآب والابن ولذلك دعوه " سر الروح القدس " . ويخبرنا أعمال الرسل ، أن الرسل كانوا يسألون المؤمنين ، حتى أولئك الذين اعتمدوا باسم يسوع : هل نلتم الروح القدس ؟
- يرسخ مفاعيل العماد : يختم النفوس بالروح القدس ، فيثبت مفاعيل العماد ويعمقها و يثمرها . إن سر العماد لا يجعل المعتمد في عصمة من الخطيئة ، فالطبيعة البشرية ضعيفة فيه وميالة إلى ما هو ضد الروح ، فسر التثبيت يُلبس المعمد " قوة من العلاء ، ليستطيع المقاومة في اليوم الشرير " ، كما جعل الرسل بعد العنصرة أقوياء ، أشداء لا يفصلهم عن المسيح لا شدة ولا ضيق ، يبشرون بالمسيح بكل جرأة .
- يقوي اتحادنا بالمسيح ، بل يعطينا المسيح نفسه " متى جاء روح الحق أرشدكم إلى الحق كله ، لأنه لا يتكلم بشيء من عنده بل يتكلم بما يسمع … سيمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم ، جميع ما للآب فهو لي " ( يو 16/13 – 15 ) . إنه يرسم فينا صورة المسيح بأكثر جلاء لنكون شركاءه متشابهين له في كل شيء . نشاركه في ميزاته الإلهية وأفعاله الفدائية الخلاصية .
سر التثبيت يجعل المعتمد شريكاً بكهنوت المسيح العام ، على الفاعلية والمفعولية ، أي الكاهن المقرِب والمقرّبَ، يقرب أولاً الحمل الإلهي ذبيحة غير دموية في القداس الإلهي بالاشتراك مع الكاهن المحتفل ، ويُقرب ذاته معه وحياته وإيمانه الحي قرباناً مقدساً ، كما أن المسيح قدّم نفسه ككاهن ذبيحة لأبيه السماوي على الصليب .
إلى جانب الصليب ، يشرك سر التثبيت المعتمد بفرح المسيح ومجد قيامته ، فالمسيحي الذي نال الروح القدس ، الروح المعزي ، كما سماه يسوع ، يجعل حياته كلها ، على لياليها المظلمة ، متألقة بفرح الروح ورجاء القيامة " أني فائض فرحاً في جميع مضايقي " ( 2 كور 1/3 - 11 ) ، فالروح القدس هو روح الفرح .
سر التثبيت يكشف عن دعوة المسيحي في جسد الكنيسة ، أي الكنيسة التي أندمج هو فيها بالعماد المقدس ، فالمعتمد له دعوة خاصة فيها ، عمل فريد شخصي ومميز " كل واحد ينال موهبة يتجلى فيها الروح للخير العام " (1 كور 12/5 - 8 ) .
هو عربون القيامة والحياة الخالدة ، إن سر التثبيت بمنحه الروح القدس ، يعطي الخلود للجسد المائت والقداسة ، فيصبح جسداً روحانياً " إذا كان الروح الذي أقام يسوع من بين الأموات حالاً فيكم ، فالذي أقام يسوع أيضاً يحيي أجسادكم الفانية بروحه الحال فيكم " ( رو 8/11 ) .
ملخص القول ، إن ما يمنحه العماد من نعم وخصائص ، يقويه ويرسخه وينميه سر التثبيت ، كما يدل عليه اسمه . إنه اللمسة الأخيرة للروح القدس في الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله بالعماد ، فيفيض فيه " الحكمة والفهم والمشورة والقوة والعلم والتقوى " ، هذه عطايا الروح التي عدّدها اشعيا النبي ( 11/ 1 – 2 ) ، إن سر التثبيت لهو حقاً سر العنصرة في تاريخ حياتنا اليومية .
نحن هنا في صدد أعمال الله ، الله المحبة ، يعمل الاقانيم الثلاثة كل شيء باتفاق ، ولكن عملهم المشترك يبقى مميزاً : كل شيء يبدأ بالآب وكل شيء يتحقق بواسطة الابن الذي أرسله الآب ، وكل شيء يتوج بالروح القدس الذي أرسله الآب والابن وستبقى الحال هكذا إلى الأبد … لنعد إلى التشبيه التقليدي : الآب هو كالذراع التي منها تنطلق القوة والحركة ، والابن هو كاليد التي تنفذّ ، والروح هو كالإصبع – إصبع يمين الله – التي تتقن وتنهي . وهكذا تؤلف الاقانيم الإلهية كُلاّ ، وتعمل دائماً متفقة ، الشيء عينه وفي الترتيب ذاته لكن على أصعدة مختلفة : يبدأ الآب ويتابع الابن ويكمّل الروح القدس ، والروح هو الفنان ، الإصبع التي تنجز أعمال الآب والابن ، أعمال المحبة ، إنه يؤمن الأعمال النهائية .
التثبيت في الكنيسة
لم يكن السر يوماً عبادة فردية ، إنه عمل كنسي أي عمل الجماعة الكنسية المسيحية الحاضرة هنا ، عمل الكنيسة الجامعة ، إذ يجب أن يكون علامة للعالم .
" فأجاب بطرس وقال : إن الله أحق من الناس بأن يطاع . إن إله آبائنا قد أقام يسوع الذي قتلتموه أنتم إذ علقتموه على خشبة . هذا رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً ليعطي إسرائيل التوبة ومغفرة الخطايا . ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً الذي أعطاه الله للذين يطيعونه " ( أع 5 / 26 – 32 ) .
سر التثبيت ، هو سر هذه العنصرة الذي أخرج الرسل من العلية – المخبأ ورمى بهم ، كشهود ، وسط جمهور " مجتمع من كل الأمم التي تحت السماء " . هذا يعني أن الكنيسة تتخطى الجماعة المسيحية التي تؤلفها ، لأنها تأسست لكي تبشر العالم بشيء وبخاصة عندما تحتفل بسر – علامة ، ولا سيما عندما يكون هذا السر سر التثبيت . فهذا السر يشير ، من قبل يسوع المسيح ، إلى الذي يقبله ، ويحقق ما يشير إليه ، وكم بالأحرى يكون ذا معنى لمن يقبله كما يفهمه الرب : أي حدث كنسي ، حدث للعالم . التثبيت هو إشارة من المسيح ، في كنيسته ، للعالم . والكنيسة التي ولدت من العنصرة هي كنيسة الروح . وأعطاها المسيح سر التثبيت لكي " تصنع ذكر " العنصرة . وهكذا يعود التثبيت إلى هذا الحدث المعيّن من تاريخ الخلاص – العنصرة – ويجعله حاضراً ( وهذا ما نسميه تأوين حدث العنصرة ) . وككل حدث المسيح الفصحي ، العنصرة حدث تاريخي – كما تذكرون – لكنه يتخطى تاريخ ذلك الزمان بديناميكية تجعله حاضراً في التاريخ كله ، ديناميكيته هو . بذلك تتذكر الكنيسة إنها ليست شعباً لله بل شعب الله ، تعلن أنها ولدت منذ الفي سنة في أورشليم وإنها لا تزال تولد من روح العنصرة . كما تعلن " النعمة " التي لم تستحقها . إنها تعني أنها لم ولا ولن تولد من رغبة بشر ، من جهد الإنسان ومن عمله ، بل من الروح الذي يهب حيث يشاء . عندما تحتفل الكنيسة بسر التثبيت فهي تلتفت إلى المستقبل وتبشر الناس بأن الله ، بقوة الروح المحبة ، " سيكون كلا في الكل " . والتثبيت هو أساساً سر نمو الملكوت . تحتفل الكنيسة بالتثبيت إذ من الضروري أن تحتفل وتمتلئ من الذي هو أصلها وكيانها وينبوعها ووحدتها ورسالتها … فالعنصرة إذاً هي ولادة الكنيسة بصفتها رسولية. في التثبيت يحل الروح القدس على الكنيسة ، والمعمدون يرسلون معاً في العالم لأجل تقديس الناس وتغيير الكون " حتى يصير الله كلاّ في الكل . "
التثبيت يفتح لنا ينبوعاً أبدياً ، ولكن علينا أن نعبّ منه … ريح قوية لا تتوقف … لكن علينا أن ننشر الأشرعة . صديقنا لن يتركنا بعد اليوم … لكن علينا ألا نفرض عليه الصمت … إذا ثبّتنا العلمانيين ولم نسند إليهم مسؤوليات كنسية ، إذا قدمنا الأولاد الصغار إلى التثبيت من دون أن نرضى بتغييرهم وتحريرهم وتحميلهم مسؤوليات ، فنحن نجهل ما نعمل …
" في ذلك الزمان ، وقف يسوع في الهيكل رافعاً صوته : من كان عطشاناً فليأت إليّ ، ويشرب . من آمن بي ، فكما قال الكتاب : يخرج من جوفه أنهار ماء الحياة . قال يسوع هذا بالنسبة إلى الروح القدس الذي سيقبله كل المؤمنين به . " ( يو 7/ 37 – 38 ) .




سر التوبة
الأب منير سقّال



مقدمـة
" يعلّم الكهنة المؤمنين أن يقدموا الذبيح الإلهي لله الآب في ذبيحة القداس وأن يقدموا معه حياتهم ، يدربونهم بروح المسيح الراعي على أن يضعوا خطاياهم بقلب منسحق ، تحت سلطان سر التوبة ، لكي يتوبوا ، أكثر فأكثر ، ويوماً بعد يوم ، إلى الرب ، متذكرين كلامه : توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات ( متى 4/17 ) . " ( المجمع الفاتيكاني الثاني ح ك خ 5 )
التوبة هي السر الذي فيه الكنيسة ، بكلمة الكاهن المطلقة وبسلطان المسيح المطلق ، تمحو في الخاطئ التائب جرم الخطايا التي ارتكبها بعد العماد . وسر التوبة هو أحد أسرار الكنيسة السبعة ، وهو كالعماد ضروري للخلاص كوسيلة لجميع الذين خطئوا خطايا ثقيلة بعد العماد . تغفر الخطايا بقوة موت المسيح وقيامته . سر التوبة هو إذاً عمل خلاصي تقوم به الكنيسة التي أسسها المسيح ، به تدعو الإنسان الخاطئ . البعيد والخارج من الشركة في سر الكنيسة الخلاصي ، إلى الانفتاح على سر يسوع المسيح ، ابن الله المتجسد ، المائت والقائم من القبر ، فيسلم ذاته لحكم الله الذي يقدم له نعمة الغفران والمصالحة من خلال إعادة إدخال الكنيسة له في شركتها .
غاية هذا الحديث هي محاولة لرسم ملامح جديدة لممارسة متجددة لهذا السر ، إذ كثير من المؤمنين ابتعدوا عن هذا السر لأنهم لا يرون فيه بعد عملاً جدياً للخلاص . من هنا الدعوات الملحة لتجديد ممارسة هذا السر بعد أن أوصى المجمع الفاتيكاني بهذا الأمر إذ قال : " يجب إعادة النظر في رتب سر التوبة وصيغه بحيث تعبّر بطريقة أوضح عن طبيعة هذا السر ومفعوله " ( دستور في الليتورجيا عدد 73 ) .
التوبة شرط للدخول في ملكوت الله
" جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة ملكوت الله فيقول : تمّ الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالبشارة " ( مر 1/ 14 – 15 ) . التوبة تلك التي دعا إليها يسوع في الإنجيل ، مفتتحاً تبشيره العلني للناس ، لها أبعاد سامية أكثر شمولاً وعمقاً مصدرها من منطلق تأنس الكلمة ابن الله . فالمسيح هو الخاطئ الأكبر ، بوصفه ممثلاً البشرية جمعاء ، آدم أول البشر ، الواقع تحت اللعنة والمطرود من الفردوس ، وصرح بولس بأبلغ عبارة إذ قال : إن الذي لم يعرف خطيئة جعله خطيئة من أجلنا ( 2 كور 5/21 ) . ولقد تحمل بجسده ونفسه كل نتائج الخطيئة حتى الموت . وبالتالي ، المسيح هو التائب الحقيقي عن آدم وذريته ، هو آدم الجديد ، فإنه بطاعته الكاملة لأبيه السماوي أعاد ، في شخصه ، الإنسانية إلى الله ، صالح الإنسان بنفسه مع أبيه ، بل وحده به ، " الكل من الله الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح " ( 2 كور 5/18 ). إن انتصار يسوع على الخطيئة والشر وبسطه لسيادة الله على البشر والكون ، يعطي الإنسان الإمكانية ليتجاوب مع الدعوة إلى الدخول في الملكوت بالانتصار معه على الخطيئة والشر .
الخطيئة خروج عن محبة الله
ننطلق من الأساس : الله محبة ، إذاً خلق الله عن محبة ، ولقد خلق الإنسان سيداً على الكون على صورته ومثاله عاقلاً وحراً مثله ليقدر على التجاوب مع حبه ، ولكي يعقد معه علاقة اتحاد ، عهداً ، بكلمة . ولكي يحول الكون ملكاً لهذا الحب ، وهذا ما يدعوه الكتاب المقدس : حب الله . ولكن الإنسان لم يستطيع أن يبقى أميناً لهذا الحب ، فبدلاً من ذلك تحول إلى الكون وإنشغف به ، مبتعداً معه الكون كله . لذا خرج الإنسان من إطار حب الله له ووقع في عبودية الخطيئة . الخطيئة هي إذاً رفض الحب العجيب الذي يكنه لنا الله في الوحي ، الرفض أو على الأقل الفشل الجزئي والمؤقت لدعوتنا الإلهية . الخطيئة هي ألا تكون قلوبنا وسيرتنا على مستوى مصيرنا . هي ألاّ يكون لنا قلب ابن ، قلب إله . من هنا كل مسيحي خاطئ ، لأنه ، مهما بلغ من القداسة يبقى بعيداً عن هذا الحب الإلهي الذي أحبنا به وظهر لنا في يسوع المسيح . فكل معمّد تقي ، يحثه إيمانه إلى مسيرة ارتداد لا تنتهي أبداً في هذه الحياة : " حب المسيح يحرقنا " ( 2 كور 5/14 ) . ونقيض هذا الضمير الحساس : انفصال الإنسان عن الله . انفصال الزوج الزاني والابن الضال الذي يصفق الباب ويمضي . الخاطئ ، في عمق كيانه ، لم يعد " شريكاً في الحياة الإلهية ، لأنه اختار أن يقطع علاقة العهد مع الله . مأساة العلاقة ، تحط الخطيئة الإنسان عن كرامته ، تنزع منه حياة الله ، ابن النور انحط فصار ابن الظلام .
الله حنان
هذه العلاقة الحياتية بالله لا يقدر الخاطئ أن يسترجعها ، تماماً كما لا يقدر الغصن المقطوع أن يعود من ذاته إلى الشجرة فأصبح في حالة من الشفاء لا تشفى … لكن الله حنان ، يحب الخطأة ، يحب أعداءه ، يغفر سبعين مرة سبع مرات … قبل أن يرجع الابن الضال ، كان أبوه قد غفر له ، ذلك أنه كان دائماً محبوباً . الخروف الضال محبوب ، حتى وقت ضياعه وبسبب ضياعه . الله هو الحب غير المشروط ، إنه يحب وإن لم نحبه ، هذه هي المجانية " النعمة " ، أكثر من ذلك ، انه يحب لأنه ليس محبوباً ، هذه هي الرأفة ، إذ لا شقاء أكبر من الامتناع عن حب الله . هو لا يتغير في حبه أبداً ، هو دائماً كلي الحب ، دائماً كلي الغفران ، حتى نحو الخاطئ العنيد . الإنسان هو الذي يتغير في حريته المتقلبة ، فيتم الانفصال ، بينما الله لا يقطع حبه أبداً ، هو مستعد أبداً للغفران وللتفهم وللاستقبال ، بمقدور الخاطئ أن يستفيد كل وقت من حب الله غير المشروط . للمغفرة يكفي وجود شخص واحد ، أما المصالحة ، فيجب أن يكون هناك شخصان . حرية الخاطئ الضعيفة في الحب تحولت إلى رفض مميت ومتعمد لحب الله . فإن قبل أن يفتحها لقبول الغفران ، جاءت المصالحة مباشرة " بينما كان الابن الضال بعيداً ، رآه أبوه فتحنن عليه وتقدم منه وألقى بيديه على عنقه وقبّله " ( لو 15/20 ) .
مصالحة مع الله
من قبل الله ، بما أن الغفران دائم ، فالمصالحة جاهزة أبداً للإنسان ، يقدمها لنا الله في المسيح يسوع ، ربنا : " كل شيء يأتي من الله الذي صالحنا معه المسيح واسند إلينا – نحن الرسل – خدمة المصالحة . فنحن سفراء المسيح وكأن الله يعظ بألسنتنا . فنسألكم باسم المسيح أن تصالحوا الله . ذلك الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير له براً لله " ( كول 5/14 – 21 ) .أي أن نشترك بقداسة الله . هذا الاشتراك يفرض على الإنسان تغييراً كاملاً يشمل جميع نواحي حياته . هذا التغيير هو حتمي يفرضه القرار الذي يتخذه الإنسان تجاه عمل المسيح الخلاصي . يتغير من إنسان ساقط ، بعيد عن الله إلى إنسان متجرد متحد به . هذا التغيير يتم بالسعي للسمو إلى " ملء قامة المسيح " . هذا هو عمل التوبة الناتج عن المصالحة مع الله التي أتمها المسيح ابن الله المتجسد .
مصالحة مع اخوتنا
لكن كيف نتصالح مع الله إن لم نتصالح مع سائر بنيه ؟ كيف نعود إلى البيت دون أن نقبّل سائر اخوتنا وأخواتنا؟ " اطلعنا الله على سر مشيئته ، أي ذلك التدبير الذي ارتضى قضاءه في المسيح ، ليحققه عندما تتم الأزمنة فيجمع في المسيح كل شيء … فهو سلامنا وقد جعل من الجماعتين جماعة واحدة وهدم بجسده الحاجز الذي يفصل بينهما أي العداوة … إرادة الله أن يخلق من شخصه إنساناً جديداً ويصلح بينهما وبين الله . وقد قضى على العداوة بصليبه ، وجاء يبشركم بالسلام … لأن لنا به سبيلاً إلى الله في روح واحد " ( أفسس 1/9 – 10 ، 2/14 – 18 ) . ففي الوقت عينه ، التوبة سر الإنسانية المتصالحة . ليس فقط " تسوّت " بل " تصالحت " . ليس تصميم الله الأزلي فقط وحدة البشر في الأخوّة وتجمّع الاخوة في المحبة ، بل هدم الحواجز واتحاد الأعداء والاتفاق الأخوي بين أناس فرّقت بينهم شريعة الغريزة ، فجعلتهم يقاومون الله ، ويترصد بعضهم بعضاً ومزّقتهم في الأعماق . تصميم الله هو " السلام " ، هذه الأعجوبة التي تضع حداً لحالة الحرب . " سلام المسيح " يضع حداً للانفصال المثلث – مع الله والقريب والذات – الذي هو الخطيئة . فالمسيح ليس فقط " ضحية تكفير عن خطايانا " ( 1 يو 2/2 ، 4/10 ) ، بل هو يعيد خلقنا من نسيج حب وغفران : " إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة . لقد زال كل قديم ، وها كل شيء جديد " ( 2 كور 5/17 ) . وبالتالي فمحبتنا لأخينا الإنسان هي من محبتنا لله ، وبغضنا للإنسان هو بغض لله المتأنس في ذلك الإنسان . وكل لقاء مع القريب هو لقاء مع الله ، وما يعمل للقريب يعود لله مباشرة " كل ما فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء فبي فعلتموه " ( متى 25/40 ) .
فلا مصالحة مع الله قبل أن يسبقها مصالحة مع القريب ، ولا محبة فينا لله إذا ملأ الحقد قلبنا ، ولا قربى إلى الله أبينا السماوي ، إذا أبعدنا القريب من حياتنا ومعاملتنا ، وقاطعناه . " إن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضاً لا يغفر لكم " ( متى 6/15 ) ، وقد جعلها السيد المسيح في صُلب الصلاة الربية " أغفر لنا خطايانا ، كما نغفر لمن أساء إلينا " ( متى 15/12 ) .
في سر التوبة ، سر المصالحة : يستقبل الله الآب ولده التائب العائد إليه ، يحمل المسيح الخروف الضال على كتفيه ويعود به إلى الحظيرة . والروح القدس يعيد تقديس هيكل الله ويسكن فيه بغناه . هذه العودة إلى الله تظهر أخيراً في مشاركة مجددة وتقوية في مائدة الرب ، وهذا فرح عظيم في وليمة الكنيسة أن يعود الابن من بعيد . " الابن العائد من بعيد " ، " الخروف الضال " ، الهيكل المقدس من جديد " ، هذه العبارات لا ذكر فيها للروتين الممل ، لا يمكن أن تكون " المصالحة " أمراً عادياً صغيراً ، إنها " حدث " .
عطية يسوع الفصحية
لقد أعطى يسوع دمه " دم المصالحة المهراق عن كثيرين لمغفرة الخطايا " ( متى 26/28 ) ‎، وبعد القيامة كانت الرسالة " السلام لكم ، كما أرسلني أبي ، كذلك أنا أرسلكم ، خذوا الروح القدس . من غفرتم خطاياه غفرت له ، من ربطتموه عليه ، ربطت عليه " ( يو 20/ 19 – 23 ) . ها هو المسيح في ذروة رسالته وقد " ثبت أنه ابن الله في القدرة ، بقيامته " ( روم 1/4 ) ، إنه يجمع ، كما في يديه ، أهم ما في هذه الرسالة التي أخذها من الآب لينقلها إلى الرسل ، إلى الكهنة . ما هي هذه الرسالة ؟ مغفرة الخطايا . فعطية المسيح الفصحية للكنيسة وللعالم هي مغفرة الخطايا . نرى هنا المخلص يؤسس سر التوبة وسلطان الحل الإلهي . بالإضافة إلى ذلك ، يؤسس الكنيسة كمكان وسلطة ووسيلة لمغفرة الخطايا .
مصالحة مع الله بواسطة الكنيسة
إن اسرار التنشئة ، أي المعمودية والميرون والافخارستيا ، تكوّن إنساناً مخلصاً ومؤلهاً من خلال إشراكه في سر تجسد وموت وقيامة يسوع المسيح . لكن الإنسان مهدد دائماً ، كما آدم عند خروجه من يد الله ، بالابتعاد عن الله بالخطيئة التي تشوه صورة الله من جديد وتفقده بنوته له ، أي ترجع به إلى الهلاك التي كان عليها وتضعه خارج جماعة المؤمنين التي في داخلها يتم العمل الخلاصي . في هذه الحال ، يتحتم على المؤمن الخاطئ أن يقوم بعمل مصالحة جديدة مع الله ، ترجعه إلى الحالة التي كان عليها يوم خرج من جرن المعمودية ومن مسح الزيت ، زيت الميرون ، فيموت من جديد مع المسيح عن الخطيئة ليقوم معه مصالحاً مع الله . علامة هذه المصالحة هي قبوله في جماعة المؤمنين التي في حضنها فقط يمكن للمؤمن الاشتراك بسر موت المسيح وقيامته . فمصالحة المؤمن الخاطئ مع الله عمل يقوم به الخاطئ بالتضامن مع جماعة المؤمنين ، يقر هو بخطيئته أمام الله وأمام الكنيسة ، نادماً عليها ، طالباً من الكنيسة أن ترجعه إلى الله وتصالحه معه . تقبله الكنيسة وتشركه من جديد في سر موت المسيح عن الخطيئة وانتصاره عليها بقيامته .
المصالحة حدث
من المؤسف أن نكون ، مهما كانت أساسية الحلة السرية ، قد قصرنا تدريجياً " مغفرة الخطايا " على سر التوبة ، وسر التوبة على الاعتراف أي الإقرار ، كما قصرنا الجماعة على الكاهن . يجب أن يكون السر حدثاً بالنسبة إلى الكاهن والتائب ، كما هي الحال في الإنجيل . المصالحة حدث . فالمسيح صالح لاوي العشار وزكا كبير العشارين والخاطئة المشهورة ، يقول المجمع الفاتيكاني الثاني : " احتفال مشترك ومشاركة فعّالة من قبل المؤمنين يجب أن يحلا ، كلما أمكن محل الحفلة الفردية والشبه شخصية . هذا ينطبق بنوع خاص … على توزيع الأسرار " نجد هنا المصالحة ، الحدث الجماعي الذي يعرضه علينا الإنجيل دائماً :
قصة مخلّع كفرناحوم :" مغفورة لك خطاياك " ( لو5/17 ، مر2 ، متى 9 ) . لا أثر لأي حوار حميم : وكان الجمهور غفيراً بحيث لم يكن هناك محل أمام الباب " ( مر2/2 ) . هذا الرجل تحمله جماعة . إيمان هذه الجماعة ، حمل يسوع على إعلان المغفرة : الإنجيليون الثلاثة يذكرون الحدث باتفاق وهم يعنون ما يقولون : فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمخلّع : " مغفورة لك خطاياك " ، هنا يعلن يسوع سلطانه السامي . لولا الجماعة ، لما حدث شيء .
المرأة الزانية : " اذهبي ولا تعودي تخطئين " ( يو 8/1 – 11 ) . هذا أفضل نص للتوبة الجماعية ، إذ يشرك الجماعة . في هذا الحشد ، الجميع خطأة ما عدا يسوع . امرأة واحدة تعي خطيئتها ، هي الزانية . كلمة يسوع العلنية ستغيّر كل القلوب وتحمل علنا على اعتراف ومغفرة للجميع .
الخاطئة في بيت سمعان ( لو 7/36 ) وقارورة الطيب : إنه احتفال علني بمصالحتها مع يسوع ومع سمعان ومع الحضور . وتفجر غفران الرب علناً أيضاً . كما في حالة المرأة الزانية ، كل الأفكار ، وكل أفكار الحضور ارتدت، أعاد الرب الاعتبار إلى هذه المرأة أمام الجميع بينما الفريسي وجميع من معه لم يسمع كلامه . ارتدت الأفكار لأن الجمهور محتشد ويسوع في وسطهم يلفظ كلمته .
الاعتراف
ولكن ما يحل بالاعتراف والكتمان الذي يرافقه حتى في أوقات التوبة العلنية ؟ كثيرون من المسيحيين يقولون : المهم في السر هو الإقرار . إذ يجب أن يتألم الخاطئ لذكر خطاياه . كلا . أن هذا إلا من قبيل المازوشية . فالغفران هو غير هذا . الغفران نشعر به أمام شخص نحبه والمحب لا يطرح عليك أسئلة ، حبه يحمله على البوح . هناك لطف غريب وكتمان غريب في موقف المسيح حيال الخاطئ . فإن كان زكا رغب في تغيير حياته ، فلأن المسيح جاء إليه من دون أن نسأله شيئاً . المجدلية ارتمت على قدمي يسوع الذي لم يطلب منها أكثر من ذلك . فهو يعرف معنى هذا العمل . السامرية تكلمت على حياتها بكل حرية من دون أن تحملها على ذلك أسئلة دقيقة . لم يكن المسيح يعرّف أحداً : الزانية والخاطئة والسامرية والمجدلية واللص وبطرس … لم يعترفوا بشيء وقد غفر لهم . لو كان يسوع في كرسي الاعتراف لما طرح أسئلة ولكان يكفيه أن نبين له معاناتنا ليغفر لنا قبل أن نفوه بكلمة . أجل . لو كان يسوع في كرسي الاعتراف ، لما طرح أسئلة . إلا إذا أجاب إلى طلب أو إذا لزم مساعدة شخص يفتش عن الكلام . أجل " فالشخص الذي يحبك لا يطرح أسئلة " كذلك المسيح في الإنجيل لا يطرح أسئلة ، لا يجبر أحداً على ذكر خطاياه ، لا له ولا لرسله ولا لخلفائهم . عندما يحثهم القديس يعقوب ( 5/16 ) " اعترفوا بخطاياكم بعضكم لبعض " فهو يتحدث عن تواضع جماعي . وعندما يقول القديس يوحنا ( 1 يو 1/9 ) : " إذا اعترفنا بخطايانا " فهو يعني : إذا أقررنا أننا خطأة أمام الله " محبة المسيح هي التي تحملنا على بوح " حر . لكننا نرى أن جميع الذين تحملهم محبة المسيح على معرفة ذواتهم خطأة وعلى التوبة ، جميع هؤلاء يقرّون بخطاياهم عفوياً . هذا الإقرار عبّر عنه زكا بالكلام ( لو 19/8 ) وكذلك اللص ( 23/41 ) ، عبّرت عنه المجدلية بالحركات ( 7/36 ) ، والزانية بالقبول والصمت ( يو 8/ 9 – 11 ) وكذلك السامرية وبطرس بصمته المتألم ( 21/17 ) . من هنا ينطلق الاعتراف السري : اعتراف شخصي لا يمارسه زكا على طريقة الزانية أو اللص ، لكنه اعتراف حر . هو حاجة حررها الحب : إذ الغفران يسبق دائماً الاعتراف . في كل مناسبة ، يبين المسيح انه " لم يأت ليدين العالم بل ليخلص العالم " ( يو 3/17 ، 12/47) فهو ليس قاضي تحقيق .
" الاعتراف " يعني أن الخاطئ يقر بمسؤوليته أمام الله (1يو 1/ 8 – 10 ) وأمام أخوته (يعقوب 5/16) ويأخذ الاحتياطات الضرورية للارتداد . في الاعتراف يعيش الخاطئ مصالحة كنسية ، عربون وعلامة المغفرة الإلهية . هذا ما سموه " سر التوبة " أو " سر المصالحة " . مصالحة مع الجماعة التي هي رمز وعربون للمصالحة مع الله . وما بقي ثابتاً في سر التوبة وسط كل التحولات التي مرت عليه في الزمن ، هو التأكيد على غفران الله ، وإن الله غفر مسبقاً وإنه لم يبق على التائب إلا أن يقبل هذا الغفران إذ يعود إلى الله بانسحاق قلب . عندئذٍ تكون المصالحة . وتأتي الحلة إعلان غفران الله . الله الذي يعرض علينا غفرانه دائماً . والعلامة أن القلب ارتد لقبول هذا الغفران هي في الموت عينه انفتاح القلب للاخوة في الكنيسة " من أحب الله أحب أخاه أيضاً " ( 1 يو 4/21 ) ، أغفر لنا كما نحن نغفر .
هل نستنتج من هذا كله وجوب إلغاء الاعتراف الفردي ؟ حاشا . إذ نكون قد محونا كنزاً عظيماً ومتيناً يتناقض مع نية الكنيسة الصريحة . فهي تقترح ممارسة الحلة الفردية والمصالحة الجماعية على التوالي . إذ يجب أن نجد : الجماعة . فالاحتفال الجماعي يشدد على أن غفران خطايانا يتضمن المصالحة مع الكنيسة بكاملها ، وعلى أن الكنيسة كلها تمنح الغفران للتائبين بواسطة خدمة الكهنة . قال المسيح لسمعان بن يونا واعداً : : سأعطيك مفاتيح السماوات . فكل ما تربطه يكون مربوطاً … " ( متى 16/19 ) ، ثم جدد هذا الوعد لجميع الرسل في مساء أحد القيامة : " خذوا الروح القدس ، فمن غفرتم خطاياهم غفرت لهم ، ومن أمسكتم خطاياهم أمسكت " ( يو 20/ 22 – 23 ) .


سر الافخارستيا
ذبيحة ووليمة
الأب منير سقّال



مقدمـة
" من أكل جسدي وشرب دمي ، فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير . لأن جسدي طعام حقاً ، ودمي شراب حقاً . من أكل جسدي وشرب دمي أقام فيّ وأقمت فيه " ( يو 6/ 27 – 58 ) .
الافخارستيا في قلب الحياة الكنسية والمسيحية ، بها يحضر المسيح شخصياً لشعبه في السر الفصحي . فلما كان المسيح هو قلب الحياة الكنسية والمسيحية ، أصبحت الافخارستيا هي محور الحياة المسيحية وذروتها المكلّلة ، وهي ينبوع التبشير كله وقمته ، إذ أن المسيح بتجسده وعمله الفدائي ، شفانا ودعانا إلى الاشتراك في حياة جديدة ، تربطنا بعضنا ببعض كأبناء لله معدين للاشتراك في حياة الثالوث . وقد اختصر الدستور المجمعي في الليتورجيا ذبيحة الافخارستيا بقوله : " رسم مخلصنا في العشاء السري ذبيحة الافخارستيا : اعني سر التقوى وعلامة الوحدة ورباط المحبة والوليمة الفصحية التي فيها يؤكل المسيح وتمتلئ النفس نعمة وتعطى عربون المجد الأبدي … إن ذبيحة الافخارستيا هي ينبوع وقمة كل حياة مسيحية . " هذه الحقائق المبنية على أمر السيد المسيح لرسله : " اصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي " نفذها الرسل والتلاميذ وواصلت الكنيسة الناشئة هذه الوصية . مطورة طقوس الوليمة الجديدة بحسب ظروف الزمان والمكان والأشخاص واتسعت الوليمة إلى وليمتين : وليمة الكلمة ووليمة الذبيحة . وتنوعت النظرة اللاهوتية والحياتية إلى هذه الوليمة : فهي وليمة محبة ، ميزة مسيحية ، حاجة وجودية ، ممارسة دينية وفريضة كنسية ، وانتظار نهيوي . سر لا بل سر الأسرار ، واحتفال لا بل قمة الاحتفالات كلها ، وينبوع الحياة الروحية المسيحية . لهذا السبب فإن لكل الأسرار والخدم الكنسية وأعمال الرسالة صلة وثيقة بسر الافخارستيا ، فإن النعمة التي وهبت في العماد وتثبتت في الميرون موجهة إلى الاتحاد بالمسيح القربان " من يقبل إليّ … يثبت فيّ وأنا فيه " ، والافخارستيا تكمل مفاعيل الشفاء الكائنة في سرَّي التوبة ومسحة الرضى " هذا هو دمي الذي يسفك لمغفرة الخطايا … وأنا أقيمه في اليوم الأخير " ، أما سر الكهنوت فموّجه إلى تقدمة الذبيحة القربانية " اصنعوا هذا لذكري " ، وأما سر الزواج فمن حيث هو عهد دائم بين الرجل والمرأة ، يرمز إلى الاتحاد القائم بين المسيح والكنيسة بفضل الافخارستيا ، وعلامة للعهد الجديد بين الله والإنسان " هذا هو دمي ، دم العهد الجديد " لذلك يحتل سر الافخارستيا الذروة في الأسرار ، لأن يسوع بهذا القول والفعل الحاسم سلّم الخبز والخمر وجمع فيهما وحطّ كل نعم تجسده واستحقاقات آلامه وقوة قيامته ، فأنجز تقدمة ذاته والخليقة كلها معه لله الآب ، وكرس استمرارها معنا إلى الأبد .
معنى الكلمـة
تعني كلمة " افخارستيا " مبدئياً : عرفان الجميل والامتنان وبالتالي إبداء الشكر ؛ " شكر " هذا المعنى نجده خاصة في مجال العلاقات الإنسانية . أما في العلاقة مع الله ، فإن الشكر ، يأخذ عادة شكل صلاة ، وهو يتصل هكذا بطبيعة الحال بالبركة التي تحتفل بعجائب الله . وبذلك يكون الشكر مصحوباً بـ " تذكار " تستحضر به الذاكرة الماضي . وسادت كلمة " الافخارستيا " في الاستخدام المسيحي للدلالة على العمل الذي أسسه يسوع عشية موته . ولكن يلاحظ أن هذه الكلمة تعبر عن " حمد " لعجائب الله بقدر ما تعبر ، لا بل أكثر ، عن شكر على الخير الذي يحصل عليه البشر . بهذا العمل الحاسم " هذا هو جسدي ، هذا هو دمي …. إن لم تأكلوا جسد ابن البشر وتشربوا دمه فلا حياة لكم في ذاتكم " ، أضفى يسوع على أطعمة بسيطة ، القيمة الأبدية القائمة على موته الفدائي ، وبذلك أكمل يسوع وحدد ، لمدى الأجيال ، تقدمة ذاته وجميع المخلوقات لله ، وهو عمل يعد جوهر تدبيره الخلاصي : ففي تقديم يسوع نفسه على الصليب وفي الافخارستيا ، إنما يتحقق عمل الإنسانية كلها ومعها الكون الذي يحيط بها ، عودتها إلى الآب .
ابرز أسمائه
1 - سر الذبيحة غير الدموية ، القداس الإلهي ( الليتورجيا الإلهية ) الذي فيه يحول الكاهن الخبز والخمر الطبيعيين إلى جسد ودم ربنا يسوع المسيح ، بقوة كلمات المسيح نفسه في العشاء السري وصلاة الكنيسة ، يدعى " الذبيحة الإلهية " أي ذبيحة الصليب غير الدموية .
2 - سر الشكر : ذلك أن المسيح عند رسمه هذا السر في العشاء السري شكر أولاً أباه السماوي ، " أخذ (يسوع) الخبز وشكر وأعطى تلاميذه … وبعد العشاء أخذ الكأس وشكر … " ، واقتداء بالمسيح تفعل الكنيسة ، فقبل التقديس يدعو الكاهن الشعب : " لنرفع قلوبنا إلى العلاء ونشكر الرب " ، ويتلوا سراً أو علناً صلاة الشكر للثالوث الأقدس باسم الإنسانية كلها على نعمة الخلق والفداء والتدبير الخلاصي وما رافقه من نعم معروفة وخفية . ويتلى أيضاً صلاة شكر قبل خروج المؤمنين من الكنيسة .
3 - سر الإيمان : لأن هذا السر لا يمكن للعقل البشري أن يستوعبه أو يفسره . سر الافخارستيا هو فقط في منطق الإيمان الذي يقول لنا : هكذا أحب الله العالم ، الإيمان يفتح بصيرتنا لندرك ما لا تراه العين ، ويعمق الرؤية لنرى أن كل شيء بكلام يسوع وبفعل الروح القدس أصبح لدينا شيئاً جديداً : " قد زال كل شيء قديم ، وهوذا كل شيء جديد " ( 2 كور 5/17 ) .
4 - سر الشركة : إن سر الافخارستيا يشركنا بشخص يسوع نفسه : الإله الكامل والإنسان الكامل . بالمناولة نتحد بالمسيح ، يصبح هو فينا ونحن فيه ، حسب وعده الإلهي " من أكل جسدي وشرب دمي يسكن فيّ وأنا فيه " (يو 6/56) . نتحد به بكامل كيانه الإنساني والإلهي . كما ويشركنا في حياة المسيح نفسها ، الحياة كما عاشها ، ولا سيما الأحداث المهمة المتميزة . قال المسيح " اصنعوا هذا لذكري " ، فنحن نذكر هذه الوصية الخلاصية وكل ما جرى لأجلنا : ميلاده وعماده وتجليه وآلامه وموته ودفنه وقيامته وصعوده إلى السماء ، وتمتد حتى نرى المسيح آتياً من جديد ، فنشترك في شركة تامة وكاملة مع المسيح الممجد : تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم . ( متى 25/34 ) وسر الافخارستيا هو أيضاً سر شركة الجماعة ، إنه يشركنا بجسد المسيح السري ، أي الكنيسة والعالم كله ، الذي أحبه ، وأخذه على عهدته ليخلصه بصليبه الكريم .
وليمة خبز وخمر
لكي يتيح لنا لقاءه في الأسرار ، أصبح المسيح حاضراً وفاعلاً في أعمال بشرية : ماء في العماد وزيت في الميرون ، وخبز وخمر في الافخارستيا . إن ما ندعوه " ذبيحة القداس " رسمه يسوع كوليمة " جسدي مأكل حقاً ودمي مشرب حقاً ( يو 6/55 ) ، وليمة أخوية " خذوا اقتسموا بينكم " ( لو 22/17 ) ، وليمة خبز وخمر . من خلالها يريد المسيح أن يشركنا في حقائق أسمى إلى ما حد له : الاتحاد بالله وباخوتنا في الجسد السري الواحد . ما يقول هذا السر – الوليمة ؟ يقول : حياة ، يقول اتحاد بالكون وبالله . الحقيقة الأولى المفروضة على المرء هي أنه إذا ما توقف عن الأكل فقد الحياة : خذوا كلوا … خذوا اشربوا … أكل الخبز وشرب الخمر يعني إذاً ، قبل كل شيء الحياة ، إنه يربطنا بمن هو خالق الكون وسيد المطر والنمو ، بالذي هو الحياة . الخبز والخمر المكرسان يعنيان فعلياً جسد المسيح ودمه كينبوع حياة إلهية للذي يأكل ويشرب بإيمان ، لأنهما قبل كل شيء مأكل ومشرب .
بالمأكل والمشرب يتحد الإنسان بالكون والكون بالإنسان . والإنسان الذي هو على صورة الله وابن الله ، مدعو دائماً إلى مائدة الكون . عندما يتحول " إلى ما يأكل " يمزج العالم بجسده ودمه . إن هذا الانطلاق صعداً سيحمل الإنسان إلى تجسد الله بين الناس ، وككل إنسان ، الإله الإنسان سيتحد بالكون والكون بالله الذي يأكل ويشرب ، فيصبح هو هذا الشيء الذي أكله وهذا الشيء يصبح جسده ودمه الإلهيين ، والمسيح تجسد لكي يصبح " بكراً بين أخوة عديدين " في التأليه ، لا أكثر ولا أقل . في الافخارستيا : ينتج الكون الخبز والخمر و يحولها الروح القدس إلى جسد الرب ودمه . الإنسان يأكل من هذا الخبز ويشرب من هذا الخمر المكرسين فيتحد واياهما بالمسيح القائم من الموت . فباستطاعة الله أن يقول حقاً فوق هذه العناصر وهذا الشخص الذي يتناول وهذه الجماعة : هذا هو جسدي … هذا الإنسان هو جسدي … هذه الجماعة هي جسدي …
ثمار الأرض
الخبز والخمر هما الغذاءان الأساسيان والرمز لكل غذاء ، نأكل خبزنا ، نكسب خبزنا أي حياتنا ، في الافخارستيا يتوجه المسيح إلى جوع الناس . والخمر ضروري لوجبة كاملة ولوليمة عيد . وإلا حكم علينا بأن نأكل خبزنا يابساً ، والخمر يضفي على الطعام هذا الحبور الذي من دونه لا " حياة " ، وإذ لا يعيش الإنسان من الخبز فحسب ، لكي يهضمه هو بحاجة إلى هذا القليل من الفرح الذي يرمز إليه ويعطيه عصير الكرمة . ولكي يهيئ الحياة والعيد الأبديين: أخذ يسوع خبزاً وكأساً من ثمرة الكرمة . هذا الخبز والخمر هما من ثمار الأرض ، تجذرهما في الأرض يجعلهما يمتصان طاقات الأرض العميقة والخفية لكي يعيشا منها ويقدماها لنا ، وعندما يبلغان سطح الأرض لا ينفكان يمتصان كل قوى الأرض ويحولان إليها كل طاقات السماء ، في نموهما : المطر والهواء والنور والحرارة والأشعة والقوى الكونية ، في القمح كما في العنب ، يلتقي الكون كله . وهكذا يتبادر الكون كله إلى طاولة الإنسان ، الكون كله مدعو إذاً إلى طاولة الله ، الكون بأسره سيحمل يوماً بحضور حب المسيح القائم من الموت وقوته . إن كانت مادة الافخارستيا تتألف من عناصر نباتية فما ذلك إلا لنتخلى بكل وسيلة عن ذبح الحيوانات حيث كان الدم يسيل بغزارة في أحواض الهيكل : هذا هو العهد الجديد .
كان يجب خاصة التشديد على أن هناك ذبيحة قدمت مرة واحدة ، ودماً واحداً اهرق إلى الأبد . وليمة المسيحيين المقدمة لن تهرق إذاً دماً غير هذا الدم . هذه النباتات – الخبز والخمر – بعيدة جداً عن ذبائح الوثنيين واليهود بحيث يزول كل التباس . وهي قريبة بما فيه الكفاية من ذبيحة المسيح لتكوّن العلامات المعبرة عنه يشبه يسوع ذاته بحبة الحنطة ( يو 12/24 ) ، إن لم تمت تبق وحدها وإن ماتت أتت بثمار كثيرة . في الخبز والخمر مأساة موت الوحيد لأجل حياة جميع الآخرين أخذت معناها . واختيار النيات يخضع لضرورة عدم تحويل أنظارنا عن الجسد الوحيد حيث يتم خلاصنا ، وعن الدم الوحيد ، دم الذبيحة الحقيقية – أي عن الجسد والدم الوحيدين المقبولين عند الله – وعن الموت الوحيد حيث تعمد الإنسان والعالم .
ثمرة عمل الإنسان
الخبز والخمر ، ثمار الأرض ، ليست منتوجات خام ، بل هي أيضاً ثمار عمل الإنسان " بعرق جبينك تأكل خبزك" ( تك 3/19 ) . لذلك فالخبز والخمر هما أناس . أناس بأبعادهم الروحية ونشاطهم العقلي . فعلى الإنسان أن يصنعهما وأن يصنعهما جيداً . مما يتطلب سلسلة من العمليات الذكية ، فهي مرتبطة بالإنسان الخالق أكثر مما هي مرتبطة بالإنسان المستهلك . عندما نقدم لله الخبز والخمر لكي يحولهما إلى جسده ودمه ، فنحن نقدم عملنا اليدوي والعقلي ، عملنا وعمل كل عالم العمال . فالخبز والخمر هما أيضاً الناس وأتعابهم . فعلى مائدتنا ومذابحنا عرقهم وتعبهم ، كل عمال العالم حاضرون هنا . ذبيحة الافخارستيا هي ثمرة أعمالهم وحياتهم التي أعطوها هكذا لاخوتهم . على طاولة الافخارستيا ، نرى التضامن البشري رغم تنوع البشر ، نجد سلسلة العمال رغم فروقاتهم وحتى عداواتهم، هذا التقارب بين الناس يستعمله المسيح " سأجتذب كل شيء إليّ " ، يأخذ على عاتقه ، يقدمه لأبيه ذبيحة هي " سلامنا إذ توحد ما كان منقسماً وتدك أسوار التفرقة " ( افسس 2/14 ) .
سر العهد
" هذه كأس دمي ، دم العهد الجديد " ، دم العهد المهراق لأجل كثيرين … " هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي المهراق لأجلكم " ، هكذا تسيطر فكرة العهد وحقيقته على الافخارستيا التي تضرب جذورها في العهد ، وتكمل العهد .
فالافخارستيا هي سر عهود الوعد التي بدونها نصبح " بلا رجاء وبلا إله في العالم " ( افسس 2/12 ) ، أية عهود ؟ العهد بأرض جديدة وبأمة عظيمة . فبفصحه – بموته وقيامته – يسوع " ابن إبراهيم ابن الله " ( لو 3 ) :
1- يدخل شخصياً في السعادة الأبدية ، في أرض الميعاد الحقيقية التي نجهلها ويفتح أبوابها لكل الجنس البشري .
2- " يجتذب إليه جميع الناس " ( يو 12/32 ) ، كل شعب الله أفقياً ، ويجعل منه عائلة أخوة موحّدة . ويجعل منه أكثر من ذلك ، جسداً واحداً لأعضاء عديدين . إذن سلالة واحدة روحية لإبراهيم ، ثمرة إيمانه .
3- ويجتذب إليه ، عامودياً ، إلى الآب حيث صعد هو شعب الله هذا الذي يولد ويسير ويموت من جيل إلى جيل حتى ظهوره الأخير . ذرية شاملة وعد بها إبراهيم . " من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير " (يو 6/54 ) .
سر الفصح
" شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل آلامي " (لو 22/15 ) كما أن الافخارستيا هي سر العهد فهي أيضاً " سر الفصح " إنه الوجه الثاني للافخارستيا .
فصح ، لا نعرف بالتمام أصل الكلمة التي تعني العيد الأكثر شعبية لدى اليهود والمسيحيين ، يمكننا القول : " يتخلى " عنا الموت ، " فنعبر إلى الحياة الأبدية " .
قبل أن يؤسس الافخارستيا ، ينتظر يسوع الفصح اليهودي تلك السنة ، حيث أصبح البعض ناضجاً لقتله . إنها ساعته ، وهو عين الوقت ، هذا الفصح ، لكي تتم ساعة الفصح ، لا قبل ولا بعد : الدم الذي ينزفه هو " دم العهد " دم الحمل الفصحي " ابن الإنسان سيسلم إلى الصلب . قرر أنه سيكون عشاءه السري . وبينما هم على المائدة أخذ يحدد الفصح الذي يحتفل به – الافخارستيا التي يؤسسها إذاك ، " ثم أخذ خبزاً … والكأس … " ( لو 22/15 ) ، عشاء خميس الأسرار وذبيحة الجمعة هما إذاً معاً الفصح اليهودي … في طريق الكمال نحو " الفصح الآتي " في نهاية الأزمنة . الحمل الفصحي الحقيقي هو المسيح المصلوب . بولس يحتفل " بفصحنا الذبيح " ( 1 كور 5/7 ) ، ويذكرنا بطرس بأننا " افتدينا بالدم الثمين ، دم حمل لا عيب فيه ولا دنس ، دم المسيح " ( - بط 1/19 ) ، ويوحنا المعمدان يشير إليه قائلاً : " هوذا حمل الله الحامل خطايا العالم " ( يو 1/29 ) ، ويوحنا الإنجيلي يخبر أن اليهود عيّدوا الفصح ليلة الجمعة العظيمة . فقد ذبحوا الحمل إذاً بعد الظهر ، ساعة موت المسيح ، بالضبط . ويختم قصته بملاحظة تجعل من ذبح الحمل نبوءة موجهة إلى ذبح المسيح : " هذا كان ليتم الكتاب : لم يكسر له عظم " ( يو 19/36 ) . حمل الله ، في ذبيحته الفصحية ، في وليمته الفصحية ، هذا هو القداس . عند موته على الصليب ، ساعة ذبح الحيوانات في الهيكل ، رفع نحو أبيه وفوق العالم جسد ودم الحمل الوحيد " الفصحي " الحقيقي " أي الذي " يعبر " نحو الله ويجعلنا نعبر معه . الذبيحة الوحيدة التي هي ذبيحته وضعت حداً ، في نظام الحب الذي يدشنه ، لخداع الإنابة ، لم يعد من حق أحد أن يتهرب شخصياً ليبحث عن ضحية خارجاً عنه . " ذبيحة وتقدمة لم تشأ ، لكنك ألبستني جسداً ، ولم ترتض بالمحرقات ولا بذبائح الخطيئة . حينئذٍ قلت : هانذا آت لأصنع مشيئتك " ( عب 10/4 ) .
ذبيحة القداس
" يحسن بنا أولاً أن نذكر بما هي خلاصة وذروة هذا التعليم : في سر الافخارستيا تصبح بشكل رائع ذبيحة الصليب التي تمت مرة واحدة على الجلجلة . ( بولس السادس ) . في الممارسة اليهودية ، كان طقس التكفير الكبير يقام كل سنة . " تقادم وذبائح لم تقد إلى الكمال … لكن المسيح جاء رئيس كهنة الخيور المستقبلة … وبدمه شخصياً لا بدم التيوس والعجول دخل مرة واحدة القبة ونال خلاصاً نهائياً " ( عب 9/ 9 – 12 ) . " هكذا قدم المسيح مرة واحدة ليحمل خطايا الكثيرين " ( 28 ) " ونحن تقدسنا بتقدمة جسد يسوع مرة واحدة " ( 10 /10 ). إذن هذه الذبيحة لا تجددها أية ذبيحة ولا يزيد عليها أي قداس … القداس يجعل ذبيحة المسيح الوحيدة حاضرة .
فذبيحة المسيح هي إذاً في الماضي : لا نذبحه من جديد عندما يحضر تحت شكل الخبز والخمر وعندما نأكله أو نشربه أو عندما نفصله ، نفصل الخبز عن الخمر كما يفصل اللحم عن الدم " مرة واحدة " لا غير . ومع ذلك فالذبيحة الوحيدة حاضرة حقاً في القداس وليست فقط ممثلة في رمز الخبز ، الجسد المعطي ، والخمر ، الدم المهراق ، بل حاضرة وحاضرة من جديد . إذ يجب أن تكون حاضرة ، فخلاص العالم هو في موت المسيح : قيامة البشر هي في جسده .
كيفية هذا التأوين
إن الموت يثبت الإنسان إلى الأبد في الحالة التي يفاجئه فيها . لقد مات المسيح في ذروة حبه المعطاء لأبيه واخوته . فقد قام إذاً إلى الأبد ممجداً في هذه الحالة . فلا يوجد مسيح آخر إلا يسوع في ذروة حياته وموته وحبه : يسوع الممجد في ذروة الصليب – ذبيحته . مذاك ارتفعت ذبيحته فوق العالم . في كل قداس " هذا هو جسدي – هذا هو دمي " ، هو حاضر حقاً على المذبح في الحالة الثابتة أبداً . إنه ممجد في ذروة ذبيحته . كالشمس التي لا تغيب مطلقاً ، بل " تشرق " هذا الصباح هنا من أجلنا .
عندما يدعونا المسيح لكي نأكل جسده المعطى ودمه المهراق ، فهو يدعونا إلى أخذ ذبيحته على عاتقنا . يدعونا لكي نصبح واحداً معه ( أن نأكله ) ، لكي نشترك بذبيحة حياته المقدمة لأبيه واخوته : نحيا مثله ونموت معه . من دون حضور القائم من الموت في كل افخارستيا نحتفل بها ، لا تكون قداساتنا اتحاداً بل حلماً عاطفياً فارغاً . لا تكون " ذكرى " ، " تأوين " ، أي حضوراً حقيقياً لحدث الفصح ، مع كل العهود التي هيأت منذ الخليقة ومع كل قوة الحب والحياة التي تقود إلى الملكوت ، القيامة العامة ، بل محض ذكريات باطلة . قداساتنا اتحاد بالله القريب وبالقريب لأنها حضور حقيقي ليسوع المسيح .
أي حضور حقيقي ؟ حضور المسيح القائم من الموت والحاضر في العالم كله لأن جسده الممجد لم يعد خاضعاً للمكان والزمان : هو في كل مكان يعمل " ينير كل إنسان " حتى الذين لا يعون ذلك . في الافخارستيا المسيح حاضر حقاً ، شخصياً ، بجسده ، وليس فقط بعمله الروحي : " هذا هو جسدي … هذا هو دمي " ، " هذا هو " كلمة قاطعة كالسيف … أما الذين لا يريدون أن يروا هنا سوى تشبيه أو استعارة كما عند قوله " أنا الكرمة الحقيقية " فالجواب لهم يجب أن يكون كلام الرب ذاته في مجمع كفرناحوم ( يو 6/51 … ) : أنا خبز الحياة … من يأكل من هذا الخبز … الخبز الذي أعطيه هو جسدي … جسدي مأكل حقاً ودمي مشرب حقاً … حضور حقيقي ، توكيد يسوع لا يقبل الجدل .
أما شرح هذا التوكيد – كيف هو حاضر – فلم يعطه . هذا برهان على أن الأمر ليس هاماً ، " حقاً ، فعلاً جوهرياً " هذا المهم ، إنه حاضر . إن الجسد الحاضر في الافخارستيا هو جسد القائم من الموت . الخبز والخمر المكرسان هما حقاً وجوهرياً المسيح القائم من الموت لأنه هكذا شاء ، إياه نطلب وإياه نجد ، ليس إلا . بقوة حبه المعطاء وكلمته السرية . حقيقة الخبز والخمر العميقة " تحولت " إلى حقيقة في عالم ثان ، هو عالم القيامة : المسيح الممجد بالذات .
ويذكرنا مجمع ترانت بأن الافخارستيا إنما أسست لكي نأكلها . إرادة يسوع المسيح تكريس الخبز والخمر لأجل الوليمة . فلا يمكننا أن نفصل بين " هذا هو جسدي " وبين " خذوا فكلوا جميعكم " . إن هدف الرب في هذا السر ليس " تحويل الخبز والخمر بل تحويل قلوبنا وجماعاتنا بحيث نصبح ، شخصياً وكجماعة مسيحية ، " جسد المسيح". فالافخارستيا تحول الكنيسة شيئاً فشيئاً ، دائماً وأكثر إلى ما صارت إليه في العماد والإيمان : عروس المسيح وجسده في العالم . أصبح الإنسان بدوره – بعد أخذ السر – مكرساً في الروح القدس ، بعد أن اتحد بربه ، وسر حضور المسيح الفصحي للعالم .
نحتفل معاً بالافخارستيا
القداس هو أعظم عمل في حياتنا ، ففي كل مرة هو حدث لا ينضب . والقائمون بهذا العمل هم أنتم . الافخارستيا هي " اشتراك في احتفال " ، جميع المسيحيين الحاضرين هم محتفلون ، نظراً لعمادهم وتثبيتهم . الكاهن ، الكاهن الوحيد ، هو المسيح . والذبيحة ، الذبيحة الوحيدة ، هي ذبيحة الجلجلة . والقداس هو " تأوين " لها . الافخارستيا هي " ذكرى " وحضور الجلجلة . والكاهن المرسوم يتمتع بنعمة وبرسالة ترؤس تقديس الافخارستيا ، نظراً لسر الدرجة الذي قبله . فهو علامة المسيح – الرأس ، أي سره . فالمسيح إذاً يقدم ذاته ويقدمنا معه . والكاهن يقدم المسيح ويقدم ذاته والجماعة مع المسيح . لكن المؤمن أيضاً ، وإن لم يكرس الخبز والخمر يقدم المسيح ويقدم ذاته معه . المعمدون لا ينفصلون عن الكاهن كما لا ينفصلون عن المسيح ، لذلك يتكلم الكاهن بصيغة الجمع " لنصل … لنرفع … لنشكر … " الشعب الكهنوتي بأجمعه ، مع الكاهن ومع المسيح ، يحتفل بالليتورجيا المقدسة ، ( عمل شعب ) ، ليست الليتورجيا إذاً من اختصاص الاكليروس فقط بل اختصاص الجماعة المسيحية . الكاهن يحتفل بالافخارستيا لأجل جماعة ومعها وهي معه ، بالاتحاد بالكنيسة الجامعة .
" يهمنا إلا ندع المؤمنين يرون هذا السر ، سر الافخارستيا ، وكأنهم مشاهدون بكم وغرباء . بل ، بعد أن يفهموا جيداً طقوسه وصلواته ، يجب أن يشتركوا بوعي وتقوى وحماس في العمل المقدس وإن يتثقفوا بكلمة الله ويقتاتوا من مائدة جسد الرب ويشكروا الله . عندما يقدمون الذبيحة الطاهرة ، ليس فقط بواسطة الكاهن بل بالاشتراك معه ، يجب أن يتعلموا كيف يقدمون ذواتهم وألا يؤلفوا ، يوماً بعد يوم ، وقد جمعهم المسيح الوسيط ، سوى جسد واحد مع الله ومع بعضهم البعض ، ويصبح الله أخيراً كلاّ في الكل . " ( المجمع الفاتيكاني الثاني ، الإصلاح الليتورجي ) .
يوحنا 6/ 27 – 58 : " لا تعملوا للقوت الفاني ، بل اعملوا للقوت الباقي في الحياة الأبدية … أبي يعطيكم خبز السماء الحق ، لأن خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي العالم الحياة … سيدي أعطنا من هذا الخبز دائماً أبداً … أنا خبز الحياة من يأتني لا يجع أبداً ، ومن يؤمن بي لا يعطش أبداً … من أكل جسدي وشرب دمي ، فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير . لأن جسدي طعام حقاً ودمي شراب حقاً … من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد . "

سر الزواج
الأب منير سقّال


مقدمـة
" … أنا لحبيبي وأَشْواقُه إليَّ ، هلُمَّ يا حبيبي ، لِنَخرُجْ إلى الحقول ولنبِت في القرى ، فلنُبكِر إلى الكروم وننظُرَ هل أَفَرخَ الكرم وهل تفتحت زهوره وهل نَوَّرَ الرُمان ، وهناك اَبذُلُ لَكَ حبُيِّ … اجعلني كخاتمٍ على قلبك ، كخاتمٍ على ذراعِكَ ، فإن الحب قويٌ كالموت والهوى قاسٍ كمثوى الأموات ، سهامه سهام نار ولهيبُ الرب المياه الغزيرةُ لا تستطيعُ أن تُطفِئَ الحب والأنهارُ لا تغمُرُه ، وَلَو بذل الإنسانُ كلَ مالِ بيته في سبيل الحب لاحتُقِرَ احتقاراً … "
( نشيد الأناشيد 7/11 – 13، 8/6 – 7 )
هكذا يتخاطب كلّ حبيبين في كل الأجيال وكل الأقطار ، وهذا التخاطب صورة لتخاطب الله والبشرية . وكما قال القديس يوحنا أن الله " محبة " ( 1 يو 4/8 ) ، لهذا السبب هو جماعة : آب وابن وروح قدس . فالله عائلة : " في البدء كان الكلمة ( الابن ) والكلمة كان لدى الله ( الآب ) والكلمة هو الله " مع الآب ، في وحدة الروح القدس الذي هو حبهما المشترك ( يو 1/1 ) . هذا الإله المحبة ، هذا الإله العائلة صنع الإنسان على صورته كمثاله ، صنعه لا فرداً متوحداً ، بل جماعة متآلفة ، فكان حقاً على صورة الإله الحقيقي ، الإله المحبة . لهذا السبب صنعه ذكراً وأنثى متشابهين ومتغايرين ومتجاذبين – روحاً وجسداً – بدينامية حب يجعلهما واحداً ، فينبثق منهما ثالث ، الولد ، الذي هو عنوان وحدتهما وتجسيد حبهما : إنه أنت كلياً ، إنه أنا كلياً ، إنه كلانا معاً في وحدة الجسد .
بين الحياة بصيغة المفرد والحياة بصيغة المثنى ، وبين المثنى والجمع ، فرق شاسع حمل أحد المفكرين على القول : " أبعد من المثنى ، لا تجد سوى الجماهير " ، ذلك أن الانتقال من العزلة إلى الجماعة يتطلب جهداً كبيراً للعبور من خطر الأنانية إلى ضياء العطاء والغيرية . هذا المنطلق البشري أمسكت به الكنيسة منذ نشأتها وحاولت رفعه إلى مستوى الروح ، بعيداً عن مجرد الاعتبارات الجسدية والنفسية والاجتماعية ، فإذاً اللقاء بين الرجل والمرأة انعكاس لاتحاد المسيح بالكنيسة ، على ما قال بولس الرسول ، وسر عظيم من أسرار الكنيسة السبع ، لا يقل قداسة وأهمية عن غيره من الأسرار .
الزواج الطبيعي
يحرم مجمع ترانت ( 1545 – 1563 ) ، من يقول أن الزواج لم يؤسسه المسيح بل هو اختراع بشريّ . يجب فهم هذا القول أولاً بالنسبة إلى زواج الخليقة " في البدء حيث كل شيء كان بالكلمة وبدونه لم يكن شيء " ( يو 1/1 – 3 ) . ثم يجب فهمه بالنسبة إلى زواج الفداء . فمن جنب آدم الجديد ولدت عروسته ، الكنيسة ، مع دم وماء الأسرار ، بما فيها الزواج . لكن هذا الزواج الذي رواه ماء العماد ودم الآلام ليس سوى الزواج " الطبيعي " ، هذه الحقيقة الأولى كما أسسها الله لما خلق الإنسان ذكراً وأنثى . لا نرى مطلقاً السيد المسيح يؤسس الزواج "المسيحي". ولا يتكلم مطلقاً على الزواج المسيحي . لما سأله اليهود عن الزواج ، وجّه جوابه لليهود فعاد بهم إلى الزواج الطبيعي إلى تصميم الله الأول ، الله الذي خلق كلّ زواج . وإنه لما أكد بقوله : " ما جمعه الله لا يفرقه إنسان " ، كان يتحدث عن الزواج الطبيعي الأول ، أي عن تصميم الله الأول والشامل . لذا يعلن لاوون الثالث عشر : منذ البدء كان الزواج صورة لتجسد الكلمة … لذا أعلن سلفانا ، زخيا الثالث وهونوريوس الثالث ، من دون أي تهور وبكل حق، إن سر الزواج موجود بين المؤمنين وغير المؤمنين .
كان المسيحيون الأولون يتزوّجون كسائر الناس ، أي كاليهود وكالوثنيين المحيطين بهم : يتبعون الطقوس الزوجية ذاتها ، لا خط مسيحي مميّز ، لا حضور كاهن أو أسقف ، لا حفلة دينية خاصة . ومع ذلك كان الزواج المسيحي آنذاك يعتبر " سراً " لم يكونوا يعرفون بعد ما هو السر . فوجب انتظار علم اللاهوت المدرسي لتعداد وترتيب البستان اللاهوتي . لكنّ الحياة المسيحية لا تنتظر الترتيبات الرسمية لكي تنمي كل الثروة التي زرعها الرب في كنيسته . في الكنيسة المضطهدة ، كان الحس الجماعي في الجماعات المتسترة يقوى بسبب مشاركة الأخطار . فكان الأسقف يعرف كل شعبه وكانت المحبة الرعوية شديدة ومتبادلة . وكان الأسقف أو أحد كهنته يدعى إلى أعراس المؤمنين ، كما دعي يسوع إلى قانا ، وكان مجيئه لا يشكل خطراً إذ لم يكن يرتدي أي لباس خاص يدل على "شخصه " ، وكان يقاسمهم الفرح المشترك إلى حين ويدلي بإمضائه ، مع سائر الشهود ، على عقد الزواج . وإذا سمحت الحالة الأمنية ، غالباً ما كان يُطلب إليه أن يبارك الزوجين بعد بركة رب العائلة ، فكان يرتجل صلاة أو يضع يديه على العروسين من دون أن يتفوه بشيء . وكان لهذا العمل طابع خاص ، لكنه لم يكن بركة زواج . لكن عند نهاية عصور الاضطهاد ، حوالي القرن الرابع ، أصبح هذا العمل عادياً . وهكذا فزواج المعمدين " الكنسي " منذ عصور ، سيتحول إلى ليتورجيا ويصبح كنسياً ( يبارك في حفلة كنسيّة ) ، ظهرت تدريجياً عبارات التبريك وقداسات زواج ، وابتداء من القرن السابع ، يأخذ مكاناً في الكتب الطقسية الرسمية في المناطق المسيحية . رغم ذلك ، وحتى ذلك الوقت ، لم تكن الكنيسة تصنع الزواجات لكنها تستقبل الزواج الطبيعي العادي وتباركه ، والرضى المتبادل كان الرابط الوحيد والحق المدني وحده كان يشرّع له ، وبقي الحال على هذا المنوال طوال الألف المسيحي الأول . سنة 318 أولى الإمبراطور قسطنطين ، الأسقف قيمة عامة : بوسع المؤمنين رفع شكواهم وخلافاتهم إلى الأسقف أو إلى الإدارة الملكية . وهكذا راحت السلطة الأسقفية تطبق القوانين المدنية وتحكم في الأمور الزواجية باسم السلطة الزمنية وبموجب الشريعة ، شريعة الإمبراطور ، فكانت النتيجة مع الوقت ، محو سلطة الإمبراطور وربط التشريع والحكم في قضايا الزواج بالكنيسة . ومنذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر ، لم يعد للمعمدين زواج " مقبول " إلا " أمام الكنيسة " . وفرض مجمع ترانت صيغته القانونية تحت طائلة البطلان ، منذ القرن السادس عشر فقط … قرنان كانا ضروريين ( 11 و 12 ) لكي تنضج الفكرة بأن الزواج سر : وبأنه يرمز إلى الحب الذي يربط المسيح بالكنيسة ويمنحه . مذاك أصبح السر أكثر من تبادل رضى " ليس الزواج الرضى ذاته ، بل وحدة الحياة والتطلع إلى المستقبل الذي دشّنه الرضى " ( القديس توما ) . " السر هو وحدة الحياة والحب العميقة " ، كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في " فرح ورجاء " : حب مدهش دائم ، منظور ومعروض على الناس كعلامة يومية للمسيح …
سر الله
هناك ألم واحد وهو أن يكون المرء وحيداً . والإله الذي يعيش وحيداً منذ الأزل هو منذ الأزل أيضاً التعاسة بعينها. أنانية " قادرة ووحيدة " كأنانية الغني في الإنجيل الذي ينوء تحت ثقل " حاصلاته " . شخص كهذا لا يمكن أن يكون الله لأن الله هو السعادة بالذات . لا سعادة إلا إذا أَحببنا واُحببنا ؛ إذن " الله محبة " .
هو محبة بالضرورة ومنذ الأزل . فمنذ الأزل هو عائلة حب . وبما أن كل شيء به كوّن ، فكيف نريد أن يخلق الأشياء إن لم يكن على صورته ومثاله ؟ نستنتج أن كلّ شيء خلق عن حب ، كلّ شيء خلق عائلة . في نص الخلق يكوّن الرجل والمرأة معاً بذار البشرية مثالها كما أرداها الله . في مساء كلّ يوم من الخلق ، كان الله يقول " هذا حسن " ، أما في اليوم السادس لما أخذ الإنسان من التراب ، فقال : " ليس حسناً … ليس حسناً أن يبقى الرجل وحده ، سأصنع له عوناً يناسبه . " إذ لو بقي وحده ، وحيداً ، لما استطاع أن يحقق دعوته ، دعوة صورة الله : لكي يكون حبّا ، يجب أن يكون هو أيضاً " أشخاصاً عديدين " . إنه بحاجة إلى رفيق ، كما يقول النص الأصلي . لكي يشبه الله الذي هو محبة ، الله الثالوث ، يجب أن يتكوّن الإنسان ، الإنسان الأصلي ، من شخصين متشابهين ومتباينين ، متساويين ومتجهين الواحد نحو الآخر جسداً ونفساً ، بدافع حب قوي ، بحيث لا يصبحان سوى واحد وبحيث يولد وينمو من اتحادهما " الشخص الثالث " ، الولد ، عنصر وحدتهما المنظورة . هكذا يكون الزوجان سرّ الله الذي لا يكشفه تماماً سوى الإيمان وحده ، والذي تحتفل به كنيسة يسوع المسيح كما هو .
ولأن الله الثالوث حبّ ، فقد قطع عهداً مع البشرية … " عهد " كلمة تعني لكم شيئاً ، أنتم من تحملون في إصبعكم خاتم الزواج ؟ " أتزوجك إلى الأبد ، يقول الرب ، أتزوجك في الحب والحنان ، أتزوجك في الأمانة ، فتعرفين الله " ( هو 2/ 21 – 22 ) . فلنفهم ما يلي : تزوّج الابن البشرية لمّا تجسد . ترك أباه وأخذ الطبيعة البشرية . وها هو الله الابن والإنسان يسوع الناصري " في جسد واحد " ، هذا الجسد المولود من مريم العذراء . فالله كله في يسوع الذي يكوّن مع الآب والروح إلهاً واحداً . وفيه ، هو الإنسان ، الإنسان كلّه ، إذ بإمكانه أن يجمعنا كلّنا فيه ، في جسد واحد . هكذا تجري فينا حياة الله كلها بيسوع المسيح . حياتنا كلها ، وقد تطهّرت وتغيّرت تمر بيسوع المسيح إلى الله . بين الزوجين ، كل شيء مشترك . والحال أن الله تزوج البشرية . وهذا هو العرس الحقيقي : عرس الله والبشرية في تجسد الابن . الزواج المثالي هو هذا . زواج نهائي ، زواج أغنى حب ، لأجل عروسه ، قدّم الابن ذاته إلى الموت ، ولأجلها وهب ذاته في المناولة … فالرب يطلب بواسطة كنيسته ، أن يعطي الرجل والمرأة ذاتيهما الواحد للآخر في الحب ، مدى الحياة إذ يقبلان هذا الشرف وهذه النعمة فيعيشان عهد المسيح ويشهدان له ، يحملانه " سراً " أي علامة حسية يراها الجميع . ما ينتظره الرجل من المرأة ، وما تنتظره المرأة من الرجل هو السعادة التي لا تحد ، الحياة الأبدية ، الله . لا أكثر ولا أقل . هذا الحلم المجنون يجعل العطاء الكامل ممكناً يوم الزواج . لكن هذا العطاء مستحيل ، إلا إذا وجد الزوجان في حياة شريكهما كل غنى الله ، في قلبيهما ، كل هذا الحب الحنون والرؤوف ، حب المسيح . سر الزواج هو هذا اللقاء الإلهي .
في تدبير الخالق
" خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى خلقهم " ( تك 1/27 ) . ليس في الله جنس ، لكن الله محبة ، علاقة محبة بين الأقانيم الثلاثة . فلما خلق الإنسان على صورته ، وصنعه ذكراً وأنثى ، فلكي يكون جديراً مثله بالمحبة . فالحب هو الأول ، لا التوالد . بكلام آخر : لم يخلق الله الإنسان ذكراً وأنثى ليكون هناك ، أولاً ، بنون وبنات ، بل ليكون حبّ بينهما ، ومن ذلك الحب يكون بنون وبنات . هذا هو الفرق بين الجنس الإنساني والجنس الحيواني ، فالجنس الحيواني للتناسل لا غير . أما الجنس الإنساني فللحب أولاً ، للعلاقة ، للتخاطب ثم للتناسل ، لهذا السبب لا يتم التزاوج الحيواني إلا في فترات الخصب ، للتناسل ، أما التزواج الإنساني فلقد يتمّ خارج فترات الخصب ، لا للتناسل ، بل للعلاقة الودية .
لكن جاءت الخطيئة . كان الاثنان قبلاً عريانين الواحد أمام الآخر من دون أن يخجلا ( تك 2/25) . بعد ذلك " عرفا أنهما عريانان " ( 3/7 ) . التناغم في العلاقات الشخصية تشوّش حتى على الصعيد الجنسي . أجمل ما فيه قدرته على الحب فسدت بالخطيئة تحوّل الحب إلى شهوة جنسية . هنا ، ليست اللذة هي التي استقرت بطريقة تعسفيّة ، فهي عطية الله ، بل استعباد الشهوة واللذة " شهوة الجسد " ( 1 يو 2/16 ) . في فوضى العواطف والحواس هذه يتجذر عدم الثقة بالنسبة إلى الجنس والخجل من أعمال الجنس ( اختبأت لأني عريان ) وكأن هناك تنافراً بين العلاقات الجنسية والقرب من الله ( حز 19/15 ) ، هذه العقدة الغريزية التي لم ننتقدها بعد سوف تطبع الكنيسة أكثر مما تطبعها " صورة الله " . في الجنس الإنساني نزعة استهلاكية ، الغريزة ، ونزعة اتحادية تتجاوز الغريزة ، وكثيراً ما تطغى الأولى على الثانية ، في هذه الازدواجية الإليمة كل معاناة الجنس الإنساني . في هذا المعنى يقول طاغور : " أحاول أن أمسك الجمال ، لكنه يفلت مني تاركاً بين يدي جسداً فحسب . فأتراجع خائباً تعباً ، أين للجسد أن يلمس الزهرة التي لا تطالها إلا الروح ؟ " وعليه فلا بدّ من التوفيق بين النزعتين ، لأن " الغريزة دون الحب إباحية ، والحب دون الغريزة حب طوباوي " ( جان لاكروا ) … لكن هذا لا يعني أن الزواج قد مُني بالفشل . إنه لا يزال موضوع بركة من الرب ، وتحقيقاً ممكناً للحب البشري ، حب جريح ، لكنه حب قد باركه المسيح في عرس قانا الجليل ، ورفعه إلى مستوى أسرار البيعة ، فجعله أداة حقيقية للاتحاد به ، وقناة للنعم ، تماماً كما هي الحال في سائر الأسرار .
تصميم الله
التزام مدى الحياة . يعود بنا يسوع إلى الزواج الأصلي الذي نجده في أوّل سفر التكوين ، هذا كلّ شيء : زواج بين رجل واحد وامرأة مدى الحياة . " ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ، ويلزم امرأته ، فيصيران جسداً واحداً " ( تك 2/24 ، 1 كو 6/16 ) . يكونان جسداً واحداً ، وكما يقول ملاخيا : " ليسا بعد اثنين ، بل كائن واحد حيّ في جسد تنعشه نسمة حياة " ( 2/ 14 – 15 ) . رجل واحد لامرأة واحدة ، إذاً ، الأمانة والاستقرار فإن " من حاز امرأة واحدة فهي له رأس الغنى ، وعون بازائه ، وعمود يستريح إليه " ( سيراخ 36/26 ) .
بالطبع ليست هذه المقاييس طبيعيّة ، هذا الزواج الواحد والدائم ، الذي يساوي بين الأثنين ويوحّد بينهما ، لم يتّبعه الإنسان في البدء ، ليست قصة الخلق تاريخاً بل مشروعاً ، إنها غاية نُهيَويّة وضعها الله لكي يتجّه نحوها الزوجان تدريجياً . إذا كان لدينا أي وهم حول الموضوع ، فجرح الزواج الأول يعيدنا بسرعة إلى الواقع … ومع ذلك فالكتاب المقدس يمدح الحب الزوجي الذي هو " صورة ومثال " حبّ الثالوث . أنعجب بعد إذا كان هذا الحب صعباً ؟ صعب ولكنه ممكن . فاللازمة في كلام الله هي هذه : " ما جمعه الله لا يفرقه إنسان " . وأمام الصعوبة اللازبة ، المخرج الوحيد المضيء هو مخرج إلهي ، " مسيحيّ " ، مخرج المسامحة والمصالحة ، " كما أحب المسيح كنيسته " ( افسس 5/25 ) . فحب المسيح هذا قاده إلى الصليب الذي نحن نصبناه له ، فتقبّله راضياً . كُفرُنا له ، قابله بالمحبة ، خيانتنا له ، قابلها بالأمانة ، فبرهن بذلك أن الحب الصحيح يصمد في وجه الصعوبات و الأعاصير . معظم المشاكل الزوجية تنجم عن الاعتقاد بأن الزواج نقطة وصول ونهاية ، لا نقطة انطلاق وبداية " تزوّجنا ، خلص " ، لا ، بل " تزوجنا فلنشمّر عن سواعدنا لبناء العمارة " . الزواج حجر رخام ، والقرينان نحّاتان عليهما أن يحّولاه يوماً بعد يوم ، بالصبر والتعاون ، إلى تمثال جميل . قال أحدهم : " الزواج كتاب ضخم ، موضوعه جدّي ، إنما مقدمته قصيدة غزل " . فإذا ما اصطدمت بصعوبة الكتاب وطول فصوله ، عد واقرأ المقدمة ، والأفضل من ذلك هو أن تنقل المقدمة على ورقة طائرة ، ثم تضعها علامة في الكتاب ، حتى ترافقك من صفحة إلى صفحة ومن فصل إلى فصل .
ما جمعه الله
لا يفرقه بشر . سأل الفريسيون المسيح ، مجربّين : " هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل علّة ؟ " أجاب يسوع " … من طلّق امرأته – إلا في حالة الزنى – وتزوج أخرى ، فقد زنى " ( متى 19/3 – 9 ) . " وإن طلقت امرأة رجلها ، وتزوجت آخر ، فقد زنت " ( مر 10/12 ) . أجل " من طلّق امرأته وتزوج أخرى ، فقد زنى . ومن تزوج امرأة طلّقها زوجها ، فقد زنى " ( لو 16/18 ) … أتى المسيح إلى العالم ليجدّده . فكان أول مظاهر التجديد إعادة الزواج إلى أصالته ، أي الاحادية وعدم الانفصام . فما يهم يسوع هو المشروع الإلهي بخصوص الإنسان ، فالطلاق تفشيل للمشروع الإلهي ، وإفساد للعهد القائم بين شخصين قد أصبحا جسداً واحداً . ولكن ما معنى الاستثناء " إلا في حالة الزنى ؟ هل يعني ذلك فعل الزنى ؟ أم شيئاً آخر ؟ نلاحظ أولاً أن هذا الاستثناء لم يرد إلا في إنجيل متى . وذلك لأن القضية – في البيئة اليهودية – كانت قضية الساعة عند العلماء ، وكانت تثير الكثير من النقاش والجدل ، في معرفة ما إذا كان مثل هذا الزواج صحيحاً أم لا . فجزم المسيح ، مشيراً إلى أنه زواج باطل ينبغي إما فسخه وإما تصحيحه . ما هي إذاً " حالة الزنى " هذه التي تجيز الطلاق ؟ هل هي خطيئة الزنى ؟ الخيانة الزوجية ؟ إن الكلمة التي استعملها القديس متى في إنجيله تعني في ما تعنيه " الزواج غير الشرعي لمانع ما " ، عن حسن نية أو سوء نية . فمثل هذا الزواج يكون باطلاً بالأساس ، وهو يضع الزوجين في " حالة زنى " ، أأدركوا ذلك أم لم يدركوه ، وعندئذ ينبغي الطلاق أو تصحيح الزواج إن كان الزوجان مدركين للأمر وعندهما رغبة في ذلك .
وهناك استثناء آخر ، يجيزه القديس بولس ، ولقد سميّ بـ " الانعام البولسي " ، " أما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب ، إن كان أخ ( مسيحي ) له امرأة غير مؤمنة … وامرأة لها رجل غير مؤمن … وغير المؤمن لا يرتضي المساكنة ، بل يفارق فليفارق . فليس الأخ أو الأخت مستعبداً ( مرتبطاً ) في مثل هذه الأحوال " ( 1 كو 7/12 – 15 ) . كما وتجيز الكنيسة فسخ الزواج إن هو " غير مكتمل " .
هذه هي الحالات القابلة لفسخ الزواج ، ففي ما عدا ذلك ، وما عدا التبيّن أن الزواج باطل من أساسه ، فلا فسخ للزواج ، بل هجر إذا اقتضى الأمر … لذلك فالزواج السر لا ينفصم : فهو بالنسبة إلى الأزواج المسيحيين ، اتحاد المسيح بكنيسته . لا يسمح للرجل بأن ينفصل عن زوجته تماماً كما لا يسمح للمسيح بأن يتحرر من تجسده فينفصل عن البشرية ويخون العهد ، عهد الحب الذي يربطه بكنيسته ، والحال أن المسيح لن يترك كنيسته أبداً . كل زواج مسيحي معمّد ومطعّم إلهياً على هذا الحب المتين ، حب المسيح وكنيسته ، لا خليقة أخرى يمكنها أن تحل رباط الحب هذا الذي يربط بين المسيح وكنيسته .
أنموا وأكثروا
( تك 1/28 ) ، يقول المجمع : " في طبيعة الزواج والحب الزوجي إنجاب البنين وتربيتهم ، وهذان يتوجان الزواج والحب ، كما تتوّج القمة الجبل " ( ك ع ، 48/1 ) ، ويقول البابا بولس السادس : " في طبيعة العمل الزوجي ، الذي يوّحد بين الزوجين ، أن يجعلهما جديرين بايلاد حياة جديدة ، وذلك بمقتضى نواميس مطبوعة في كيان الرجل بالذات وكيان المرأة " ( الحياة البشرية ، 8 ) . الحب خصب ، بطبيعته ، في الزواج كان ( البنون ) أو خارج الزواج ( أعمال المحبة والإحسان ) . لذا فإن الولد ليس غريباً عن القيم الزواجية ، لا بل هو مكمّل لها ، إذ هو يجعل العلاقات الشخصية ، في الزواج ، على صورة العلاقات في الثالوث الأقدس . وعليه ، فإن الكنيسة لا تعترف بصحة زواج من كان في نيتهما صراحة رفض قاطع للولد . إذ لا يحق للزوجين أن يقصيا بصراحة الولد عن مجمل " مشروعهما " الحياتي .
خاتمة
كل هذا يهدف إلى استجلاء روحانية بيتيّة ، حيث تبان طريق خاصة يكبر في مسيرتها حب الزوجين لله وإيمانهما به ورجاؤهما بمواعيده ، فيشهدان من خلال هذه الخبرة أمام أولادهما والآخرين والعالم . هذه الشهادة تتغذى من ممارسة سائر الأسرار الشقيقة السابقة واللاحقة لسر الزواج التي هي أيضاً من أجل حياة مسيحية أفضل والتزام للمسيح والكنيسة والعائلة حتى الممات . " … وعلى المتزوجين والوالدين المسيحيين ، في سبيلهم الخاص ، أن يتعاونوا معاً بحب دائم على حفظ النعمة طوال العمر ، وأن يعّلموا الأولاد الذين أعطاهم الله إياهم في حبهم ، التعليم المسيحي والفضائل الإنجيلية . وبذلك يعطون الجميع مثلاً في الحب الثابت السخي ويبنون على المحبة مجتمعاً أخوياً ، ويصبحون شهوداً وشركاء في خصب أمنا الكنيسة ، دلالة واشتراكاً في الحب الذي أحب المسيح به عروسه باذلاً نفسه عنها . " ( ك 5/41 ) .

سر الكهنوت
الأب منير سقّال



مقدمـة
" إن يسوع المسيح هو الكاهن الأوحد في العهد الجديد ، إذ قدّم حياته ذبيحة عن الجميع . واستنتاجاً يمكن وصف الكنيسة بأجمعها كجماعة كهنوتية . فجميع الأعضاء يدعون لتقديم كيانهم " ذبيحة حيّة " وللتشفع للكنيسة ولخلاص العالم . والخدّام المكّرسون يرتبطون ، كما يرتبط جميع المسيحيين بكهنوت المسيح وبكهنوت الكنيسة . لكن قد يُسمّون على نحو ملائم كهنة ، لأنهم يتمّون خدمة كهنوتية خاصة بتوطيد وبناء كهنوت المؤمنين الملوكي والنبوي عبر الكلمة والأسرار وعبر صلواتهم التشفعّية وعبر إرشادهم الرعوي للجماعة " .
( من وثيقة مجلس الكنائس العالمي في الكهنوت ، ك2 1982 )
أرثوذكس ؛ كاثوليك ، بروتستانت ، أنجليكان
الكهنوت عرفته شعوب الأرض منذ نشأتها . وهو يجيء تلبية لغريزة الإنسان الدينية ، إذ هو كما حدّده الفلاسفة " رجل متديّن " . فالله هو علّة وجوده . وحضوره الإلهي يحس به في طيّات وجدانه " فيه حياتنا وحركاتنا ووجودنا " ( أع 17/28 ) . فالإنسان في حنين دائم إلى إلهه ، بحث عنه في ظلام الحياة ، لأنه ابن الله . فما دام في غربة عن الله فهو في شقاء ، قلق ، مضطرب البال . كما عبّر عن ذلك القديس اغوسطينوس بقوله : " لقد خلقتنا لك يا الله ، وقلبنا لا يزال مضطرباً وقلقاً إلى أن يأتي إليك ويستريح فيك " . فالاقتراب من الله بالعبادة والعمل بإرادته القدوسة واسترضاؤه في حال الخطأ يعيده إلى أصالته و إلى بعض سعادته بمشاركته حياة الله .
وبما أن عامة البشر هي منهمكة بأمور هذه الدنيا ، ويرعبها الدنّو من الألوهة لشعورها بعدم أهليتها ، فكان لزاماً على الشعب أن ينتدب عنه أشخاصاً يفرزهم لهذه الغاية ، ليكونوا وسطاءه عند الله . هؤلاء الأشخاص دعوا " كهنة " والكاهن كلمة عبرانية ارامية تعني " الواقف " ، أرى الواقف أمام الله يصلي إليه حمداً وضراعة واستشفاعاً.
كهنوت العهد القديم
" وأما هذا الذي يبقى ( يسوع ) للأبد ، فله كهنوت لا يزول " ( عب 7/24 ) . هكذا إذ أرادت الرسالة إلى العبرانيين ، أن تصف وساطة المسيح ، قرّبتها من وظيفة كانت موجودة في العهد القديم ، أسوة بها في كل الديانات المجاورة ، وهي وظيفة الكهانة . فحتى نفهم كهنوت المسيح ، ينبغي أن نعرف مفهوم الكهنوت في العهد القديم ، الذي مهّد لكهنوت المسيح وكان رمزاً مسبقاً له .
أختار الله شعب إسرائيل أساساً لمهمة كهنوتية ، أي ليؤدي له العبادة الحقيقية التي مارسها أجداده إبراهيم واسحق ويعقوب . و كلّم موسى فرعون باسم الرب قائلاً : " أطلق شعبي ليعبدوني " ( خر 7/16 ) . وليعلن اسمه مبشراً به الأمم الغارقة في ظلام الوثنية : " لكي يعرّفوا بني البشر جبروته ومجد بهاء ملكوته " ( مز 144/12 ) . وقد أعلن الله لبني إسرائيل قائلاً : " وأنتم تكونون لي شعباً مقدساً ومملكة كهنة " ( خر 19/5 ) .
على أن شعور الشعب بخطاياه وخوفه من الدنّو إلى الله والمثول بين يديه على غير استحقاق ، دفعه لأن يبقى هو بعيداً ، وينتخب لهذه المهمة أشخاصاً ينتدبهم عنه ، ويقدّسون متكرسين لهذه الرسالة العظيمة السامية .
أيّام الأباء ، لم يكن لا هيكل ولا كهنة ، بل ممارسات كهنوتية يقوم بها كبار العشائر . كان الآباء ينصبون المذابح في بلاد كنعان ( تك 12/7 ) ، ويقدمون الذبائح ( 22/13 ) . وهكذا كان يفعل سائر الشعوب حولهم . الكهنة الوحيدون الذين يؤتى على ذكرهم هم أجانب : ملكيصادق الكاهن والملك ( 14/18 ) وكهنة فرعون (41/45 ) . في عهد موسى الذي كان من سبط لاوي ، كان هو نفسه يقدّم الذبائح ( خر 24/3 – 8 ) . لكنه أوكل فيما بعد ، من قبل الرب ، جميع الأمور الكهنوتية إلى أبناء سبط لاوي . وكان أخوه هرون أول عظيم الأحبار ( 29 ) . مع الأيام أصبح الكهنوت تراتبيّا ، في القمة عظيم الأحبار وهو خليفة هرون ، ثم الكهنة ، ثم اللاويون ومنهم المرتلون وحراس الأبواب . أما الوظائف الكهنوتية فكانت خدمة الطقوس ( حراسة العهد ، ترؤس الاحتفال تقدمة الذبائح ، تكريس وتطهير ) وخدمة الكلمة ( تلاوة الأسفار ، كتابتها ، تفسيرها ) .
لكنّ ذلك لم يكن سوى " فرائض جسدية موضوعة حتى زمن الإصلاح فقط " ( عب 9/10 ) . لأنه " لما كانت الشريعة لا تشتمل إلا على ظلّ الخيرات المستقبلة ، لا على جوهر الأمور ، فإنها عاجزة للأبد – على الرغم من تلك الذبائح التي تقدّم كل سنة إلى ما لا نهاية – أن تجعل كاملين أولئك الذين يشتركون فيها … ذلك أنه من المحال أنّ دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا " ( 10/1 – 4 ) . فظلوا هكذا " يذكرون خطاياهم مرة كل سنة " ( 3 ) إلى أن تجّسد ابن الله قائلاً لأبيه : " ذبيحة وقرباناً لم تشأ ، غير أنك هيأت لي جسداً . لم ترتض محرقات ولا ذبائح خطيئة ، حينئذ قلت هاءنذا آتي لأعمل يا الله بمشيئتك … فهو ، إذاً ، يبطل النظام الأول ليقيم الثاني . وبقوّة هذه المشيئة قدّسنا نحن بتقدمة جسد يسوع مرّة واحدة لا غير " ( 10/5 – 10 ) .
ظل كهنوت العهد القديم في أغلبيته أميناً على رسالته . فبطقوسه وتعليمه وتدوينه الكتب المقدسة ، أبقى حياً في إسرائيل التراث المسلّم من موسى والأنبياء ، ووطد من جيل إلى جيل ، حياة شعب الله الدينية . ولكن كان لابد أخيراً من تجاوزه . فقيم العهد القديم لا تأخذ كل معناها إلا في يسوع الذي يتممها متسامياً عليها . ويحقق هذا المبدأ العام الوحي على الوجه الأكمل ، في حال الكهنوت .
يسوع المسيح : الكاهن الوحيد
الأحد هو ملك الأيام لأنه " يصنع الكنيسة " ، الجماعة ، في الافخارستيا ، والافخارستيا ملكة الأسرار لأنها ذبيحة ، ذبيحة العهد الفصحي ، المؤلّهة . والذبيحة تتطلب كاهناً . فما هو الكاهن ؟ الكاهن المسيحي . يجب أن ننطلق من يسوع المسيح ، هناك كاهن واحد : إنه هو . وكهنوت واحد : إنه كهنوته .
يسوع المخلص ، لا يكمّل الكهنوت الهاروني المنتقل بالوراثة في سلالة لاوي . إنما على العكس ، لن يكون كاهناً على مثال هارون ، بل ، تقول الرسالة إلى العبرانيين ، بعد المزمور 110 : " إنه كاهن إلى الأبد على شبه ملكيصادق " .
يسوع ابن داود ، من قبيلة يهوذا ، " ينتمي إلى قبيلة لم يخدم منها المذبح أحد " ( عب 7/13 – 15 ) . لم يأخذ يسوع إذاً لقب كاهن أبداً ، كما لم يقل عن نفسه مرة أنه " كاهن " ، لا ولم يتكلم على " الكهنوت " ولم يدع رسله " كهنة " . بدلاً من أن يظهر بمظهر شخص مكرّس ، مفصول ، طاهر ، هاهو يستقبل الخطأة ويأكل معهم من دون أن يهتم " بالدنس الشرعي " الذي يلصق به هكذا . كان يختلط بالجمهور ويعيش مثل جميع الناس ، فقيراً مع الفقراء ، مع رسله . ولم نجد سفراً واحداً يسمّيه بهذا الاسم ، ما عدا الرسالة إلى العبرانيين ، فلا أية إمكانية التباس بين كهنوت المسيح والكهنوت الذي كان المسيحيون الأول يرون اليهود أو الوثنيين يمارسونه . أما الطغمة الكهنوتية اليهودية ، فهي ليست فقط لم تعتبره كواحد منها ، بل راح رؤساؤها يطاردونه منذ بدء حياته العلنية ولم يهدأ لهم بال حتى حاكموه وقتلوه ، وهكذا أسهموا في تقدمة الذبيحة الوحيدة ، ذبيحة الكاهن الأوحد . لم يقم يسوع أبداً بوظيفة طقسية لكي " يقدّم " أو " يضحي " شيئاً ما . لا يتم كهنوته بالاحتفالات بل هو شخصه بالذات . فهو يدعو نفسه " ذاك الذي قدّسه الآب – كرّمه – وأرسله إلى العالم " ( يو 10/36 ) . ويقول أيضاً : " أني أقدّس ذاتي لأجل تلاميذي ليكونوا هم أيضاً مقدّسين في الحق " ( يو 17/19 ) . هذا " التقديس والتكريس " هما ذبيحة حياته ذاتها وتقدمة موته بالذات . حياة وموت تمجّدا في القيامة لأجل تقديس وتأليه تلاميذه هذا الموت الذي يقاسيه ، إنه يقبله ويقدمه هو ذاته كما يقدم الكاهن ذبيحته . لذلك ننتظر منه أن يكفّر عن الخطايا ويؤسس العهد الجديد ويخلّص شعبه . وبالمختصر ، إنه " كاهن ذبيحته الخاصة " ( معجم اللاهوت الكتابي ) .
عندئذ لم يعد للكلمات " كاهن ، كهنوت ، ذبيحة " المعنى ذاته . فنحن ننتقل من الصور إلى الحقيقة . لم يعد ما يطلب منّا هو أن ندور حول المذبح بل أن نصبح أبناء الله . المطلوب لم يعد الطقوس بل الحب ، لم يعد تقدمة ضحايا وذبح حيوانات بل بذل الذات والتضحية بالذات : " … فكم بالأحرى دم المسيح الذي بالروح الأزلي قرّب نفسه لله بلا عيب يطهّر ضمائركم من الأعمال الميتة لتخدموا الله الحي . لذلك هو وسيط عهد جديد … " ( عب 9/11 – 15 ) . فلنذكر أن الخطيئة هي انفصال : الإنسان عن الله ، الرجل والمرأة ، الأخ وأخيه ، شعب وشعب … بينما هو الاتحاد : اتحاد بالينبوع الذي هو الله ، وهذه هي الحياة . اتحاد بالآخرين وهذا هو الحب . الحياة والحب الأبديان . وكهنوت المسيح ، الكهنوت الوحيد ، هو هذه الوساطة المثلثة :
- أرسله الله الآب إلى لقاء البشر ( وساطة " رسولية " )
- ليجمع جميع الناس في حظيرة ( وساطة " رعاية " )
- ليسير بهم في عبوره في فصحه نحو الآب ( وساطة " ذبيحة " )
هذا هو كهنوت المسيح ، لم يكن من كاهن قبله ، ولن يخلفه أحد ، هو الكاهن إلى الأبد . كهنوت المسيح هذا ، الوحيد الأوحد ، يشترك فيه كل من هم له بالمعمودية ، " من أراد أن يتبعني ، فليحمل صليبه ويتبعني … ويشرب الكأس التي أنا مزمع أن أشربها " ( متى 16/24 ، 20/22 ) ، و " ليمض ويبشر بملكوت الله " ( لو 9/60 ) ، وليكن مستعداً لتأدية الشهادة حتى الدم ( متى 10/16 – 28 ) .
كهنوت ملكي ، أمة مقدسة
" … فقدّموا أنفسكم لبناء بيت روحاني للكهنوت المقدس كيما تقربوا ذبائح روحية ، يقبلها الله إكراماً ليسوع المسيح … فالكرامة لكم أيها المؤمنون … أما أنتم فإنكم ذرّيّة مختارة وكهنوت ملكي وأمة مقدسة وشعب اصطفاه الله للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب . لم تكونوا شعباً من قبل ، وأما اليوم فإنكم شعب الله … " ( 1بط 1/4 – 10 ) .
العماد هو الذي يشدّنا هكذا إلى يسوع المسيح في بناء واحد ويجعل منّا جسداً واحداً معه في الكنيسة ويجعلنا أحياء بحياته وشركاء في كلّ ما هو له . فإن كان المسيح الكاهن هو حجر الأساس الذي عليه يقوم البيت كلّه – الكنيسة – وإن كان حجر الزاوية الذي به يتماسك البناء كلّه كقطعة واحدة ، أفلا يتحد به كل حجر بمفرده ؟ كلنا نؤلف هذا البيت الذي يسكنه الروح القدس ، الكنيسة هي كنيسة المعمدين ، " الجماعة الكهنوتية " .
إن المسيحيين لن يشرفوا كهنوتهم المشترك إلا إذا أخذوا على عاتقهم وساطة المسيح الكاهن المثلثة : الانطلاق من الله إلى الناس – الانضمام إلى الناس وتوحيدهم – والعودة معاً إلى الآب في السر الفصحي وذلك بقبول الحياة والموت . المسيح هو الكاهن الوحيد إلى الأبد . لكن جسده ، الكنيسة ، هو بكامله كهنوتي معه . المسيح الكاهن هو الوسيط الوحيد . لكنه يريد أن يمارس وساطته مع جسده وبه ، " الله معنا " ، هذا هو اسمه . " نحن معه " هذا هو مشروع حبه . " أن نشترك في طبيعته الإلهية " ( 2 بط 1/4 ) ، أن نشترك في وظيفته الوساطيّة .
هذه هي وساطة المسيح الملك الأولى : الآب يرسله إلى العالم ويتجسد ويولد في نور ليل بيت لحم … علينا أن نتابع هذه الوساطة في الكنيسة " كما أرسلني أبي ، أنا أرسلكم … أنا نور العالم … أنتم نور العالم " ( يو 8/12 ، متى 5/14 ) . " لتبشير ( الكنيسة ) كل شعوب الأرض بالبشرى السارة التي هي فرح عظيم " ( لو 2/10 ) .
" لتكونوا متحدين بنا " : مسؤولية الشعب الكهنوتي الثانية هي توحيد البشر في المسيح ، إنهم يكملون عمل المسيح الراعي " أنّا قبلنا المعمودية جميعاً في روح واحد لنكون جسداً واحداً " ( 1 كو 12/12 – 13 ) .
لكن المسيح لا يصير إنساناً ويجمع الناس إلا ليصل إلى النقطة الثالثة الخلاصية : العودة الفصحية الأخيرة ، عبر الذبيحة ، إلى الآب . يجب أن تكون هذه العودة في أساس كل حياة الشعب الكهنوتي : إنها ذروة الكهنوت . عندما يسير الشعب المسيحي على هذا الطريق طوال حياته ، يصبح كاهناً وكاهناً كاملاً ، طبعاً بيسوع المسيح ومعه وله . " أني استحلفكم ، أيها الأخوة ، برأفة الله ، أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة روحيّة مقدّسة مرضية عند الله : هذه هي عبادتكم الروحية " ( روم 12/1 ) .
خدّام كهنوت المسيح
لا ينسب أي نص من نصوص العهد الجديد تسمية الكاهن إلى أحد من المسؤولين في الكنيسة . ولكن تحفظ يسوع في استعمال هذه التسمية كبير ، إلى حد أن صمته ليس له تفسير قاطع . فإن يسوع يشرك شعبه في كهنوته .
في العهد الجديد كما في العهد القديم ، لا يمكن أن يباشر شعب الله هذا الكهنوت ، بطريقة عملية ، إلا عن طريق خدّام مدعوين من الله . لذلك نلاحظ أن يسوع دعا الاثني عشر ليعهد إليهم بمسؤولية إدارة كنيسته ، وقد أعدّهم لخدمة الكلمة ، وأولاهم بعض سلطاته ، وفي المساء الأخير عهد إليهم بالافخارستيا وهذه كلها مشاركة خاصة في كهنوته . وقد فهم الرسل هذا ، ولذا عيّنوا بدورهم مسؤولين ليواصلوا عملهم . ويحمل هؤلاء لقب الشيوخ ، الذي هو أصل التسمية الحالية للكهنة ( أع 14/23 ) . إن فكر بولس حول الرسالة ومواهب الروح القدس ، يتجه منذ ذلك الوقت نحو كهنوت خدّام الكنيسة ، ويعطي بولس المسؤولين في الجماعات ألقاباً كهنوتية " وكلاء أسرار الله " ( 1 كور 4/1 – 2 ) ، و " خدام العهد الجديد " ( 2 كور 3/6 ) . ويصف البشارة الرسولية بأنها خدمة كهنوتية ( روم 1/9 ) . هذه هي نقطة انطلاق التفسيرات اللاحقة ، في تاريخ الكنيسة ، الخاصة بكهنوت الخدمة . إلا أن هذا الكهنوت لا يشكل طبقة ذات امتيازات ، فلا يمس لا كهنوت المسيح الوحيد ولا كهنوت المؤمنين ، ولكن بما أنه في خدمة الاثنين ، فهو إحدى الوساطات التي تكفل خدمة شعب الله .
يقول المجمع الفاتيكاني : " إن تلك الرسالة الإلهية التي أوكلها المسيح إلى رسله ، معدة أن تبقى إلى أبد الدهور ( متى 28/20 ) ، لأن الإنجيل الذي عليهم أن يسلموه هو للكنيسة مبدأ كل حياة إلى آخر الزمن . لهذا السبب أهتم الرسل في أن يقيموا خلفاء لهم ، في هذه الجماعة المنظمة تنظيماً تراتبياً " ( ك 20 ) ، فكان الاساقفة ، وكان الكهنة ، وكان الشمامسة : " درجات " ثلاث تعود في التاريخ إلى أيام الرسل ( فل1/1 ، طي 1/5 – 7 ) . هذا التنظيم التراتبي ، جعل المسيح في قمته بطرس الرسول " حفاظاً على الوحدة وعدم الانقسام " ( ك،18 ) . ومن أهم مسؤوليات بطرس أن يثبت أخوته في الإيمان " سمعان ، سمعان ، هوذا الشيطان قد طلب بإلحاح أن يغربلكم كالحنطة ، لكني صليت لأجلك لكي لا يزول إيمانك ، وأنت متى عدت ، فثّبت أخوتك " ( لو 22/31 – 32 ) . سلطان بطرس هذا لا ينال شيئاً من سلطة الأحد عشر . هم أيضاً أوكل إليهم المسيح مسؤولية إدارة الجماعة و الافخارستيا وغفران الخطايا وتعليم الأمم . فإن الأولية والمجمعية متحدتان ، في نية المسيح ، اتحاداً وثيقاً .
درجة الأسقفية
كرّس المجمع الفاتيكاني الثاني لدرجة الأسقفية الفصل الثالث من الدستور العقائدي في الكنيسة " نور العالم " ثم قرار " مهمة الأساقفة الراعويّة " ، وهذه أهم تعاليمه : … إن الأساقفة ، بقوة الوضع الإلهي ، يخلفون الرسل كرعاة للكنيسة بحيث أنّ من سمعهم يسمع المسيح ومن أحتقرهم أحتقر المسيح والذي أرسل المسيح . " ( 21 ) وهكذا بشخص الأساقفة الذين يعاونهم الكهنة ، هو الرب يسوع المسيح ، الحبر الأعظم ، الحاضر في وسط المؤمنين ، وهو جالس عن يمين الله الآب ، لا يزال حاضراً في جميع أحباره :
- بهم ، وبخدمتهم السامية يبشر كل الأمم بكلمة الله ويمنح المؤمنين أسرار الإيمان باستمرار .
- بمهمتهم الأبوية ( 1 كور 4/15 ) يدخل في جسده ، أعضاء جدداً بالتجديد من عل .
- أخيراً بحكمتهم وفطنتهم يقود شعب العهد الجديد في غربته ، ويوجّهه نحو الغبطة الأبدية .
والمجمع المقدس يعلّم أن الرسامة الأسقفية تعطي ملء سر الكهنوت الذي يسمّى بحق ، وفقاً لعادة الكنيسة الطقسية ولأقوال الآباء القديسين ، الكهنوت السامي ، والجوهر الكامل للخدمة المقدسة ، فالرسامة الأسقفية تولي ، مع وظيفة التقديس وظائف التعليم والتدبير ، هذه الوظائف التي من طبيعتها لا يمكن أن تمارس إلا في الشركة التسلسلية بين رئيس الحلقة وأعضائها .
( 25 ) وفي مقدمة المهام الأسقفية الرئيسة يأتي التبشير بالإنجيل فالأساقفة هم المبشرون بالإيمان الذين يجلبون للمسيح تلامذة جدداً ، والملافنة الأصليون ، أي المسلحون بسلطة المسيح ، الذين يبشرون الشعب الموكول إليهم بالإيمان الذي يجب أن يعتنقوه ويتمشوا عليه عاملين على إشعاعه بنور الروح القدس . ( 26 ) إن الأسقف المتشح بملء سر الدرجة هو القيم على توزيع نعمة الكهنوت الأعلى أي التقديس . ( 27 ) على الأساقفة أن يدبروا كنائسهم الخاصة الموكولة إليهم كنواب المسيح وممثليه ، بنصائحهم وتشجيعاتهم ومثلهم ، ولا سيما بسلطتهم وبممارسة سلطانهم المقدس الذي هو لهم فقط ، لبنيان القطيع في الحق والقداسة . وهذا السلطان الذي يمارسونه شخصياً باسم المسيح ، هو لهم سلطان ذاتي ومألوف ومباشرة … إليهم سلّمت المهمة الرعوية كاملة ، أي الاهتمام الدائم واليومي بخرافهم . ويجب ألا يعتبروا كنواب الأحبار الرومانيين ، لأنهم يمارسون سلطاناً ذاتياً . " أما المؤمنون ، فعليهم أن يتعلقوا باسقفهم تعلق الكنيسة بيسوع المسيح ويسوع المسيح بأبيه ، لكي يجتمع كل شيء في الوحدة لمجد الله الأعظم " .
درجة الكهنة
داخل الكنيسة ، يعيش الأسقف والكهنة واقع الخدمة والأسرار الواحد . والتمييز في الوظيفة ، الذي يشهد له تمييز تقليدي في الدرجة ، يمكن التعبير عنه هكذا : يمارس الأول خدمة الرئاسة والوحدة الرعوية مع كل ما تفرض من مسؤوليات نحو الكنيسة المحلية والكنيسة الجامعة . ويمارس الكهنة الخدمة ذاتها ضمن الكنائس المحلية بالاتحاد مع اسقفهم وبالاعتراف بسلطته . فالكهنة هم معاونو الدرجة الأسقفية . فمع أساقفتهم وباسمهم يجعلون المسيح الوسيط ، المسيح الراعي ، حاضراً : إنه المرسل من لدن الآب ليعلن البشرى السارة – إنه يجمع الناس المتباغضين أو أقله المشتتين – وقد كرّسته ذبيحته ، وراح يجتذب البشرية بتكريسه الفصحي … كاهن جديد في الكنيسة ، مدى الحياة . الدرجة ، كعماد والتثبيت نعمة ثابتة : الله لا يستعيد عطاياه أبداً . والحجر المأخوذ من مقلع البشرية الكبير ، عندما ينحته الروح ويرصفه في بناء جسد المسيح ، وإن سقط ، يحتفظ بمكانه ولا يعود بحاجة إلى نحات من جديد .
درجة الشماسية
رسالة بولس إلى أهل فيليبس هي أول نص يميز الشمامسة عن الأساقفة ( 1/1 ) . والرسالة الأولى إلى طيموتاوس تسن قواعد لاختيار الشمامسة ( 3/8 – 13 ) . " المطلوب هنا هي خدمة دنيا ليس من السهل تحديد مهماتها " ( معجم اللاهوت الكتابي ) . نعلم أيضاً أن النساء مارسن الشماسية ( روم 16/1 ) . لكن ليس في الوظائف ذاتها ( 1 كو 11/1 – 16 ، 14/33 – … ) .
كانت مهمتهم " خدمة الموائد " ( أع 6/2 – 4 ) ، عوضاً عن الرسل ، لكي يتفرغ هؤلاء لخدمة الافخارستيا مع ما يؤمّنون من صلوات وكرازة في الهيكل وفي البيوت ( 2/42 ، 46 ) . وإلى ذلك قد انصرفوا إلى خدمة التبشير، مثل اسطفانس أول الشهداء ( 6/8 ، 7/1 – 51 ) ، وفيليبس الذي دعي " المبشر " ( 21/8 ) والذي بشّر السامرة ( 8/ 4 – 13 ) ، وعمّد قيّم كنداكة ملكة الحبشة ( 8/ 26 – 40 ) . والإنجيل ، كما هو بالنسبة إلى الأساقفة والكهنة ، هو موضوع خدمتهم الأول : خذوا إنجيل المسيح الذي أسند إليكم التبشير به . انتبهوا إلى الكلمة التي تقرأون وإلى تعليم ما تؤمنون به وإلى عيش ما تبشرون به .
عظمة الكاهن في الصليب
الكاهن عظيم ومجيد ، وليس لعظمته منتهى ، ولكن سلم عظمته الواصل رأسها إلى السماء مرتكز بل مغروس في التراب الحقير … في اللحم والدم . فعليه أن يجاهد ضد اللحم والدم في نفسه " لئلا يكون مرذولاً بعد أن وعظ غيره " . وعليه أن يجاهد ضد اللحم والدم في غيره ، في بني قومه . هو من العالم وقد أصبح بثوبه غريباً عن العالم . فإذاً ينتظره ما أنزل الناس بالمسيح من شتم ورذل وإهانة . فقد تنبأ المسيح لتلاميذه : " إنكم ستكونون مبغضين من الكل " . ولكن يأمره معلمه أن يسير في وسط الظلمة حاملاً نور الإنجيل والرسالة الخطيرة للنفوس بين ملتويات الشر ، دون أن يحمل لا سيفاً ولا نحاساً ، أي دون أي عاطفة انتقام . بل يستند فقط على عصا الصبر والاحتمال ويسير صعداً في طريق الجلجلة حاملاً صليبه ، مصلياً لأجل مبغضيه ، فطريق الجلجلة هو أبداً طريق المجد والخلود .
فتنازل اللهم وبارك بيمينك أخوتنا الكهنة ، وليحل عليهم روحك الصالح ، روح القوة والفطنة وتعزية الصبر .

سر مسحة المرضى
الأب منير سقّال



مقدمـة
مسحة المرضى عمل سري تقوم به الكنسية في شخص وتجاه شخص المريض . عمل فيه تظهر الكنيسة بواسطة الرجاء الأخروي وكأنها تنتصر على الموت وعلى ظلامه وعلى قبضته . وهذا السر هو مكمّل لسر التوبة أو المصالحة ، مع هذا الفرق ، إن سر التوبة يُمنح للشفاء الروحي ، أي لمغفرة الخطايا . فهو يعالج الأمراض الروحية ، أي علل النفس ، وجميع الخطأة التائبين يمكنهم أن يحصلوا على هذا السر في أي وقت شاؤوا . وأما مسحة المرضى فهي مخصصة للمرضى لمعالجة عللهم الجسدية والروحية معاً .
هو سر يمسح به الكاهن بزيت مقدس جسد المريض ، مستمداً له بصلوات الكنيسة النعمة الإلهية لشفاء أمراضه الروحانية والجسدانية ، حسب هذه الآية الشهيرة للقديس يعقوب : " هل فيكم من مريض فليدع كهنة الكنيسة وليصلوا عليه ويمسحوه بالزيت باسم الرب ، فإن صلاة الإيمان تخلص المريض والرب ينهضه ، وإن كان قد ارتكب خطايا تغفر له " ( 5/14 ) .
واضع السر
واضح أن المسيح نفسه لم يكن يلجأ إلى الدهن بالزيت ليشفي من به مرض جسدي أو روحي . لماذا ؟ لأنه هو المسيح هو الممسوح الإلهي ، هو " الزيت المقدس " – إن جاز القول – الذي ينفذ إلى من يُعمد أو يُثبت أو يُسام كاهناً أو يُغفر له أو يُشفى من مرض . كان يكفيه أن يَلمس أو يُلمس أو ينطق بكلمة ليتم الشفاء . المسيح لم يمسح بالزيت ولكنه وافق عليه ، إن لم يكن أوصى به ، لما أرسل الاثني عشر قائلاً : " اشفوا المرضى ، أقيموا الموتى ، … فمضوا وكرزوا بالتوبة ، وأخرجوا الشياطين ، ودهنوا بالزيت المرضى فشفوهم " ( متى 10/8 ، مر 6/12 – 13 ) . ولما كان السر الكنسي اشتراكاً في موت وقيامة المسيح ، فإن المسحة تُشرك المريض في انتصار المسيح على الخطيئة والموت ، إما بنعمة الشفاء ، وإما بنعمة القوة لمجابهة الموت .
الخطيئة ، الموت والمرض
بين الشفاء والغفران ارتباط ، فهل يكون بين المرض والخطيئة ارتباطاً أيضاً ؟ الواضح أن هناك ارتباطاً بين الخطيئة والموت : " بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم ، وبالخطيئة الموت ، هكذا اجتاز الموت إلى الناس ، لأن جميعهم قد خطئوا " ( روم 5/12 ) . ولكن لما كان المرض مدخلاً إلى الموت ، قريباً أو بعيداً ، ففي وسعنا القول أن هناك ارتباطاً أيضاً بين المرض والخطيئة ، لا من حيث أن المريض قد أهان الله شخصياً بل من حيث أن المرض ، كالموت ، لا يبتلي البشر إلا بسبب وضع البشرية الخاطئ . لذا نرى يسوع المسيح الآتي ليقضي على الموت ينبري فيعالج سبب الموت – الخطيئة – بالغفران ، كما ويعالج مظاهر الموت – المرض – بالشفاء ، إلى أن يأتي ، بموته وقيامته ، على الخطيئة نفسها والموت عاقبتها . بالخطيئة الموت ، وللموت المرض والعاهات . إذ بالاثنين يكسر طوقهما بقدرة المسيح ، إلى اليوم الذي فيه ، بفضل قيامته ، يقضي على الموت نفسه ، فيتم الشفاء النهائي من كل خطيئة ومرض وكل عاهة وكل موت .
قابل السر
من يشعرون بأن المرض يلازمهم بشكل خطير ، ومن يقدمون على عملية جراحية خطيرة ، ومن تتضاءل فيهم الصحة والقوى بسبب الشيخوخة ، ومن يعلمون إنه ما من قدرة بشرية تستطيع بعد شيئاً لإنقاذهم ، إن كانوا يؤمنون بأن الله يكترث بهم ، وإن كانوا يقبلون بأن يلتفتوا إليه في شدتهم ، ويحاولون الاتكال عليه ، فإن الكنيسة – باسم الرب يسوع – تعرض عليهم مسحة المرضى . ويقول المجمع الفاتيكاني : إن مسحة المرضى ليست فقط للذين يكونون في خطر الموت الشديد . وبالتالي ، فإن الوقت المناسب لقبولها هو حقاً عندما يبدأ المؤمن بالدخول في خطر الموت ، بسبب الضعف الجسدي أو الشيخوخة .
رسالة القديس يعقوب
لدينا في هذه الرسالة ، الدستور الإلهي لسر مسحة المرضى : " هل فيكم مريض ؟ ليستدع شيوخ الكنيسة ليصلوا عليه ويدهنوه بالزيت باسم الرب . فالصلاة مع الإيمان تخلص المريض والرب يعافيه . وإن كان ارتكب خطيئة، غفرها له . ليعترف بعضكم لبعض بخطاياه وليصل بعضكم لأجل بعض حتى تنالوا الشفاء " ( 5/14 – 15 .
لا يقول القديس يعقوب " منازع " بل الذي لم يعد في وسعه أن يمشي ، يتوقف ، يسمر في غرفته ، فالجماعة تأتي إليه ، تأتي الكنيسة إليه في شخص كهنته ، يسوع يأتي إليه . هو بأمس الحاجة إلى الكنيسة ، إنه بحاجة إلى الرب ، عبر جماعة الخلاص " ليستدع " ، إنها نصيحة ، لا أمر ، ليس هذا السر إلزامياً . على المريض أن يطلبه ، وهذا يفترض أن يكون واعياً منتبهاً ، وإنه يرغب في السر . " الشيوخ " هم المسؤولين في الكنيسة أو ممثلوها ، خدمتها ، الجميع مع الأهل والأصدقاء ، كانوا يقيمون في البيت ، ليتورجيا بيتية احتفالية . يصلون عليه ويمسحوه بالزيت باسم الرب ، فالسر يكمن في هذه الحركة الرمزية . صلاة الإيمان ، هي إيمان الكنيسة والكهنة وكل الحاضرين وبالأخص هو إيمان المريض : إيمانه العادي وإيمانه اليوم . وبهذه الصلاة يخلص المريض ، إما بشفائه وإما خلاصه الأبدي الذي لا يتضمن حتماً الشفاء . " فيقيمه الله " ، يوقفه على رجليه ، وإن كانت ساعة انتقاله قد أتت ، فالمسحة تتطبعه للقيامة الأخيرة . " غفرت خطاياه " ، الشفاء والغفران متلازمان كما أن المرض والخطيئة متلازمان فالصلاة والمسحة يحملان الخلاص في العمق : للجسد والروح ، للزمان وللأبدية .
يتكلم نصّ يعقوب على سر الخلاص كله ، هذا الخلاص الذي يحمله للمريض . إن كان المرض شراً بالنسبة إلى الإنسان كله وتبياناً للشر الروحي ( الخطيئة ) ، فدواء المسحة هو للإنسان كله يحمل له الخلاص ، خلاص النعمة الذي يتم بحسب العلامة المؤقتة ، علامة الشفاء أو الخلاص في المجد ، بالدخول في عالم القيامة .
مفاعيل مسحة المرضى
نستخلص من هذه الأقوال ومن غيرها ، مفاعيل سر مسحة المرضى كما يلي :
- التعافي والعودة إلى الحياة الطبيعية ، بقدر ما يكون ذلك لخير المريض الحقيقي ، وبحسب التقدير الإلهي .
- غفران الخطايا ، حتى لو كان المريض في حال اللاوعي ، على أن يكون قد أظهر استعداده في وعيه .
- الرجاء بالقيامة التي استحقها لنا المسيح ، والتي وطّد فينا رجاءها ، لما " أنهض " مخلع كفرناحوم ، وابن الأرملة … هذا الرجاء هو الدواء الحقيقي ، أتعافى المريض أم لا .
- الاقتداء بالمسيح والاشتراك في آلامه ، فإن العذاب ، بحد ذاته ، لا قيمة له للخلاص ما لم يأخذه المسيح عليه، ويشركه في موته وقيامته . " إني أتم في جسدي ما ينقص من مضايق المسيح ، لأجل جسده الذي هو الكنيسة " (كو 1/24 ) .
- الإيمان بأن العذاب سوف يكون لنا ، كما للمسيح ، طريقاً إلى المجد الأبدي .
- نعمة الروح القدس التي تقود الإنسان بكامله إلى الخلاص ، وتشجعه على الثقة بالله ، وتقويه ضد تجارب الشرير ، وضد القلق أمام الموت .
- تأجيل الموت إلى الساعة التي يحددها الرب ، وتسهيل الموت ، إذ أن المسيح أتى ليشفينا من مرضنا الأساسي: الخوف والقلق أمام المجهول والاختفاء ، أتى المسيح ليضفي على موتنا طابع باكورة القيامة .
- وبما أن الزيت يستعمل أيضاً للتكريس ، يسعنا القول أم أن المسحة تكرّس المريض للمسيح من حيث أن مرضه يندرج في انتصار المسيح على المرض والموت ، فيستمد منه المريض القوة اللازمة لتقبل مرضه ، وموته عند الاقتضاء ، كعاملي تقديم نحو القيامة مع المسيح وملء تحقيق الإيمان .
( دستور رسولي في سر المسحة ، أصدره البابا بولس السادس ، في 30/11/1972 المقدمة رقم 8 – 15 )
خاتمـــة
حبذا لو يُعاد للمرضى " سرهم " وأن يُنزع عنه اللافتة " خطر الموت " التي تجعل من لقاء المريض بالكاهن صدمة نفسية … فهذا السر ، كسائر الأسرار هو أولاً سر الإيمان ، سر إيماني ، وهو أيضاً احتفال جماعي ، يحث على تجمع أخوي للعائلة البشرية والمسيحية حول أحد أعضائها المتألمين . جماعة الأرض وجماعة السماء : هذه هي كلمة هذا السر الأخيرة ، كما في سائر الأسرار : " بمسحة المرضى المقدسة وبصلاة الكهنة ، هي الكنيسة جمعاء ، تكل المرضى إلى الرب المتألم والممجد لكي يساعدهم ويخلصهم . وبالإضافة تحثهم على أن يشتركوا أحراراً بآلام السيد المسيح وموته لكي يساهموا في خير الشعب " ( المجمع الفاتيكاني الثاني ) ، الكنيسة بأسرها هي للمرضى والمرضى للكنيسة بأسرها ، في المسيح المتألم والقائم من الموت .
اشترك في مجموعة الشبكة المسيحية على الفيس بوك 

 

 

 

التوقيع

الله محبة
MARSEN_87 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-2009-07, 02:06 PM   #2

Deacon Isaac

الـــمــــشــــرف الـــعــــام

 
الصورة الرمزية Deacon Isaac






 
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى Deacon Isaac إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى Deacon Isaac
افتراضي

شكرا مارسين
على هذا الموضوع القيم جدا جدا
و يستاهل بأن يكون مثبتاً
تحياتي لك و الرب يحفظك

 

 

 

التوقيع

إنــه مـــن المـــخجل التعـــثر مرتــيــن بالـــحــجــر نفـــــــسه.
إذا ركــلك مـــن خـلفــك .....فــاعلـم أنــك فـي الــمقــدمـــة .
اذا اهمك امر غيرك , فاعلم بأنك ذو طبع اصيل
الانسان دون امل كنبات دون ماء
اربعة اشياء في حياتك لا تفعلها
فقد الثقة و نكث الوعد و تحطم العلاقات و كسر القلب
لانها لا تحدث صوتا ولكنها تحدث الكثير من الالم
Deacon Isaac غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-2009-07, 07:23 PM   #3

يوسف

المؤسس

 
الصورة الرمزية يوسف






 
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى يوسف
افتراضي

مشكور جدا مارسين
يوسف متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-2009-07, 08:05 PM   #4

lana85

عضو فضي

 
الصورة الرمزية lana85





 
افتراضي

شـــــــــــــــكرا للمحاضرة الاكثر من رائعة

 

 

 

التوقيع

الى الله وحده تطمئن نفسي ومن عنده خلاصي
lana85 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-2009-08, 10:29 AM   #5

MARSEN_87

عضو مميز






 
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى MARSEN_87 إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى MARSEN_87
افتراضي

شكرا اخوان على المرور

 

 

 

التوقيع

الله محبة
MARSEN_87 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-2009-10, 05:53 PM   #6

aLLuN!e

الـإدآري

 
الصورة الرمزية aLLuN!e






 
افتراضي

عاشت الايادي مارسين على الموضوع الجميل

((( تحيــــاتــــي )))

 

 

 

التوقيع

لا يُـہهمنِہي ما يـہظُنہه بہي مہن حـہولي ζ͡»︶
ولـسہتٌ مُـہطالب بِـ تصہحيـہح كُہـل ما يـظہنون ζ͡»︶
عُـہذراً ،، فَہـ أنہا لا أشبہـه Google ] ζ͡]»︶
غِہـير مُہـزود بِـ خہـآصہيه ζ͡»︶ : [هَـل تـقصِـد] ζ͡»

aLLuN!e غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-2009-11, 10:52 AM   #7

MARSEN_87

عضو مميز






 
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى MARSEN_87 إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى MARSEN_87
افتراضي

شكرا حب الوني

 

 

 

التوقيع

الله محبة
MARSEN_87 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
اللاهوتية, اللاهوتيةو, الروحيةالكاثوليكية, الكنيسة, الكنيسةمفاهيمها, اسرار, ومفاهيمها, والروحيةالكاثوليكية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع